[الملك: 1-2] فقدم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغتر بها. وقوله تعالى: ﴿ ومنهم من ينتظر.. ﴾ [الأحزاب: 23] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد باق إلى يوم القيامة ﴿ وما بدلوا تبديلا ﴾ [الأحزاب: 23] معنى التبديل هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أدخل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفا من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ليجزي الله الصادقين... ﴾.
33.24
تأمل هنا رحمة الخالق بالخلق، هذه الرحمة التي ما حرم منها حتى المنافق، فقال سبحانه: ﴿ ويعذب المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم.. ﴾ [الأحزاب: 24]. وسبق أن تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيرا ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولا لتستر العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه بالإحسان. وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك، فتشفق عليه، ثم تمتد إليك يدك بالمساعدة التي تعينه على عدم تكرار ذلك. وقلنا: إن الغالب أن تسبق المغفرة الرحمة، وقليلا ما تسبق الرحمة المغفرة. وقلنا: إنه يشترط في المغفرة أن تكون من الأعلى للأدنى، فإذا ستر العبد على سيده قبحا لا يقال: غفر له، وكذلك في الرحمة فإن مال الأقل بالإحسان إلى الأعلى لا يقال رحمة لأنه قد يعطيه عوضا عما قدم له أو يعطيه انتظار أن يرد إليه ما أعطاه مرة أخرى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ورد الله الذين... ﴾.