تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.59

نلحظ أن الأمر توجه أولا لأزواج النبي، ثم لبناته صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن رسول الله لا يأمر أمته بشيء هو عنه بنجوى، إنما يأمرهم بشيء بدأ فيه بأهل بيته، وهذا أدعى لقبول الأمر وتنفيذه، فقبل أن آمركم أمرت نفسي فلم أتميز عنكم بشيء. لذلك جاء في سيرة القائد المسلم " طارق بن زياد " أنه لما ذهب لفتح الأندلس وقف بجنوده على شاطىء البحر، وأعداؤه على الشاطىء الآخر، ثم قال للجنود: أيها الناس أنا لن آمركم بأمر أنا عنه بنجوى، وإنني عند ملتقى القوم سابقكم، فمبارز سيد القوم، فإن قتلته فقد كفيتم أمره، وإن قتلني فلن يعوزكم أمير بعدي. أي: أنني سابقكم إلى القتال، ولن أرسلكم وأجلس أتفرج وأرقب ما يحدث، يعني: أنا لا أتميز عنكم بشيء. وبهذه المساواة أيضا ساد عمر - رضي الله عنه - القوم وقاد العالم وهو يرتدي مرقعته بالمدينة لذلك لما رآه رجل وهو نائم تحت شجرة كعامة الناس قال: حكمت فعدلت فأمنت، فنمت يا عمر. وكان - رضي الله عنه - إذا أراد أن يأخذ قرارا في أمر من أمور رعيته يعلم أن الفساد إنما يأتي أولا من الحاشية والأقارب والأتباع ومن مراكز القوى التي تحيط به لذلك كان يجمع قرابته ويحذرهم: أنا اعتزمت أن أصدر قرارا في كذا وكذا، فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء منه لجعلته نكالا للمسملين، أيها القوم إياكم أن يدخل عليكم من يدعي صلته بي، فتعطونه غير حق من لم يعرفني، والله إن فعلتم لأجعلنكم نكالا للمسلمين. وورود النص القرآني بلفظ

يأيها النبي قل لأزواجك..

[الأحزاب: 59] دليل على أن سيدنا رسول الله كان ينقل النص الذي جاءه، والصيغة التي تكلم الله بها دون أن يغير فيها شيئا، وإلا فقد كان بإمكانه أن ينقل الأمر لأزواجه، فيقول: يا أيها النبي أزواجك وبناتك يدنين عليهن من جلابيبهن. إنما نقل النص القرآني كما أنزل عليه ليعلم الجميع أن الأمر من الله، وما محمد إلا مبلغ عن الله، فمن أراد أن يناقش الأمر فليناقش صاحبه. وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ساعة نزلت عليه هذه الآية كن تسعة أزواج، كرمهن الله وخيرهن فاخترن رسول الله، كان منهن خمس من قريش هن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة، وثلاث من سائر العرب هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وواحدة من نسل هارون أخي موسى - عليهما السلام - هي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب. أما بنات رسول الله، فرسول الله أنجب البنين والبنات: البنون ماتوا جميعا في الصغر، أما البنات فأبقاهن الله حتى تزوجن جميعا، وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم.

وأصغرهن فاطمة، وهي الوحيدة التي بقيت بعد موت سيدنا رسول الله، أما زينب ورقية وأم كلثوم فقد متن في حياة رسول الله. ولفاطمة قصة في الضحك والبكاء لذلك بعض العارفين كان يقول في قوله تعالى:

وأنه هو أضحك وأبكى

[النجم: 43] أن السيدة فاطمة حينما سئلت ما الذي أبكاك وما الذي أضحكك؟ قالت: لأنني لما دخلت على أبي وهو مريض قال لي: إن هذا هو مرض الموت يا فاطمة فبكيت، ثم انصرفت فأشار إلي وقال لي: يا فاطمة ستكونين أول أهل بيتي لحوقا بي فضحكت. لذلك لم تمكث فاطمة بعد رسول الله إلا ستة أشهر. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن لقاء الأموات يكون بمجرد الموت، وإلا لو كان اللقاء في البعث والقيامة لاستوى في ذلك من مات أولا، ومن مات آخرا، فدل قوله:

" ستكونين أول أهل بيتي لحوقا بي "

على أن لقاءه صلى الله عليه وسلم بها سيكون بمجرد أن تموت. الشاهد في هذه القصة أن أحدهم - أظنه الإمام عليا - قال لفاطمة: الله يقول

وأنه هو أضحك وأبكى

[النجم: 43] أما رسول الله فأبكاك أولا، ثم أضحكك حتى لا يكون أضحك وأبكى كربه. أما السيدة زينب فتزوجت العاص بن الربيع قبل أن يحرم الزواج من الكفار، وقد أسر العاص في غزوة بدر، فذهبت زينب لتفديه، وقدمت قلادة كانت معها، فلام رآها رسول الله وجد أنها قلادة خديجة - رضي الله عنها - قد وهبتها لابنتها، فقال: إن رأيتم أن تردوا لها قلادتها وتفكوا لها أسيرها فافعلوا، فرد صلى الله عليه وسلم الأمر إلى من ينتفع به، فتنازلوا عن القلادة. أما رقية وأم كلثوم فلهما حوادث، منها حوادث مؤسفة، ومنها حوادث مبهجة، أما المؤسف فإن عتبة بن أبي لهب عقد على رقية، وأخوه عتيبة عقد على أم كلثوم، وكان هذا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث رسول الله وحدث ما حدث بينه وبين أبي لهب وأنزل الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧١٠