33.48
في أول السورة خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين..
[الأحزاب: 1] وهنا خاطبه ربه بقوله: ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [الأحزاب: 48] فالأولى كانت في بداية الدعوة، حين أخذ الكفار يكيدون لرسول الله، فما بالك وقد قويت الدعوة، واشتد عودها، لا بد أن يتضاعف كيد الكافرين لرسول الله. لذلك يكرر له مسألة ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم.. ﴾ [الأحزاب: 48] ولا يعني ذلك أنني سأسلمك، إنما أنا وكيلك ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [الأحزاب: 48]. فإن قلت: كيف والوكيل أقل من الأصيل؟ نقول: لا، فالأصيل ما وكل غيره، إلا لأنه عجز أن يفعل، فاختار الأقوى ليفعل له. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا... ﴾.
33.49
تتحدث الآية عن مسألة اجتماعية تخص حفظ النوع، وحفظ النوع الإنساني لا يتأتى إلا بالزواج، وهو وسيلة التكاثر، وأولى مراحل الزواج مرحلة الخطبة، وكثيرون لا يفهمون معنى الخطبة وحدودها لكل من الرجل والمرأة، فالخطبة مجرد أن يذهب طالب البنت إلى وليها ليقول له: أإذا تقدمت لطلب يد ابنتك أكون أهلا للقبول؟ فيقول وليها: مرحبا بك، هذه تسمى خطبة، وربما لا يتقدم، فإن تقدم لها، له أن يراها مرة واحدة بين محارمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشاب الذي أراد الخطبة:
" انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ".
وعجيب أن يخلط الناس بين الخطبة والعقد، فيعطون الخطبة صفة العقد، فإذا قيل الولي الخاطب اتفق معه على المهر أو الشبكة وعلى كل تفاصيل الزواج، وأباح له أن يجلس مع ابنته، وأن يتحدث معها، وربما يختلي بها، ويا ليتهم جعلوها عقدا، فأخرجوا أنفسهم من هذا الحرج. فالخطبة إن عدل عنها الخاطب ما عليهم إلا أن يذهب إلى ولي البنت فيقول له: لقد طلبت منك يد ابنتك وأنا في حل من هذا الأمر، أما العقد فلا يفسخ قبل الدخول إلا بالطلاق، إذن: لا تجعلوها صورة خطبة وموضوعية عقد. والحق سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة ما يتعلق بأحكام الطلاق إن وقع قبل الدخول بالزوجة: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها.. ﴾ [الأحزاب: 49]. فالنكاح هنا مقصود به العقد فقط، وإلا لو قصد به المعنى الآخر لما قال ﴿ من قبل أن تمسوهن.. ﴾ [الأحزاب: 49] والمس كناية عن الجماع، وهو عملية دائما يسترها القرآن بألفاظ لا تدل عليه حقيقة. والحكم هنا ﴿ فما لكم عليهن من عدة تعتدونها.. ﴾ [الأحزاب: 49] فليس للزوج على زوجته عدة إن طلقها قبل أن يدخل بها لأن العدة إنما كانت لحكمة: فالعدة في حالة الطلاق الرجعي تعطي للزوج فرصة أن يراجع زوجته، وأن يعيدها بنفسه إلى عصمته، والعدة تكون لاستبراء الرحم والتأكد من خلوه من الحمل، وقد تكون العدة، لا لهذا ولا لذاك، ولكن لأنه توفي عنها. فالعدة قبل الدخول لها حكم، وبعد الدخول لها حكم آخر، وهذا الفرق يتضح كذلك في مسألة المهر، فقبل الدخول للزوجة نصف مهرها، كما قال سبحانه:
فنصف ما فرضتم..
[البقرة: 237] وقال هنا: ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ [الأحزاب: 49] فإن سمي المهر بين الطرفين فلها نصفه، وإن لم يسم فلها نصف مهر المثل. أما العدة بعد الدخول ففيها تفصيل، بحيث تختلف من حالة لأخرى بما يناسب الحالة التي تشرع فيها العدة، والعدة كما قلنا: تدل على أنها شيء معدود، فإن كانت المرأة من ذوات الحيض، فهي ثلاث حيضات، ليتأكد خلالها استبراء الرحم، لكن الرحم يستبرىء من مرة واحدة، فلماذا جعلها الله ثلاث حيضات؟ قالوا: الهدف من ذلك إعطاء الزوج فرصة، فقد يراجع نفسه وتهدأ نفسه، فيراجع زوجته في هذه المدة، فالشرع هنا يراعي بناء الأسرة، ألا ترى أن الحق سبحانه شرع التقاء الزوج بزوجته بكلمة: زوجني وزوجتك، أما في حالة الطلاق والفراق بين الزوجين، فجعله على ثلاث مراحل لأن الله تعالى يريد ألا يجعل للغضب العابر سبيلا لنقض كلمة الله في الزواج.