ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك ما يوم الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله
[الانفطار: 17-19]. وقال:
إنا أنزلناه في ليلة القدر * ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر
[القدر: 1-3]. وهكذا في كل وما أدراك تعني: أنك لم تكن تعرفه من قبل، لكن سيخبرك الله به، أما صيغة ﴿ وما يدريك.. ﴾ [الأحزاب: 63] فتعني أن هذا الشيء المبهم سيظل كذلك مبهما لا يطلعك الله عليه، ومن هذه الأمور وقت قيام الساعة ﴿ وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ﴾ [الأحزاب: 63]. ولم يخبر الحق سبحانه عن وقتها لأن الإبهام قد يكون أوضح البيان، فالله تعالى أبهم عنا ساعة الموت، فلا يدري أحد منا متى يموت، وهذا الإبهام جعلك تنتظره في كل لحظة من لحظات حياتك، فالحقيقة أنه بهذا الإبهام أوضحه كل الإيضاح. كذلك أبهم الله مثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لأنه سبحانه لا يريدك متعبدا ليلة واحدة، إنما يريدك متعبدا طوال هذه العشر لتستزيد من الثواب وتحب العبادة لذاتها لا لمجرد الثواب عليها. وكذلك أخفى الله تعالى عنا وقت الساعة، لكي نتوقعها في كل وقت، وننتظرها كل لحظة، وهذا أدعى للاستقامة والخوف من المعصية، ومن أدراك أن تقوم الساعة وأنت على معصية الله، إذن: الإبهام هنا عين البيان. وهو مقصد من مقاصد الحق سبحانه ليشيع الحكم في كل زمان، وإلا لو عرف الإنسان أجله لسار في الدنيا كما نقول على حل شعره يعربد فيها كما يشاء، ثم يتوب قبل الموت لذلك لم يجعل الله تعالى للموت سببا، فحين لا ترى سببا قل مات لأنه يموت، وصدق من قال: والموت من دون أسباب هو السبب.
ورحم الله شوقي حين قال في الموت:
في الموت ما أعيا وفي أسبابه
كل امري رهن بطي كتابه
أسد لعمرك من يموت بظفره
عند اللقاء كمن يموت بنابه
إن نام عنك فكل طب نافع
أو لم ينم فالطب من أذنابه
وكثيرا ما نرى المريض يموت بسبب حقنة أعطاها له الطبيب، أو عملية جراحية غير موفقة. وصدق من قال:
سبحان من يرث الطبيب وطبه
ويرى المريض مصارع الآسينا
لكن مع ذلك، يجعل الله لها علامات لطفا بنا ورحمة، علامات صغرى وعلامات كبرى لذلك يقول سبحانه عن الساعة:
إن الساعة آتية أكاد أخفيها..
[طه: 15]. يعني قاربت أن أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى، والعلامات الكبرى، لأنها أصبحت قريبة، وقلنا: إن الهمزة في أخفيها همزة إزالة يعني: أزيل خفاءها، مثل همزة أعجم تقول: أعجم الكتاب أي: أزال عجمته وإبهامه بوضع النقط على الحروف، ومنه سميت الكتب التي توضح معاني المفردات: معاجم. وقد تكون الإزالة بالتضعيف مثل قشرت البرتقالة يعني: أزلت قشرتها. فمعنى
وما يدريك..
[الشورى: 17] أي: لا أحد سيخبرك بها ولا أنا، وكما ضن الحق بعلمها على الخلق جميعا فقد ضن على نبيه وحبيبه محمد، ولو كان مخبرا بها لأخبر نبيه، حتى ولو سرا بينه وبينه، دون أن يبلغ الناس بها، لكن أبدا لا هذه ولا هذه لذلك كان سيدنا رسول الله إذا سئل عن الساعة قال:
" ما المسئول عنها بأعلم من السائل ".
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الله لعن الكافرين... ﴾.