تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين تبوءوا الدار والإيمان..

[الحشر: 9] فكأنهم يسكنون في الإيمان

من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..

[الحشر: 9]. وما استحق الأنصار هذا الوصف من الحق سبحانه إلا لإيثارهم إخوانهم المهاجرين وبذل شيء لم يبذله أحد قبلهم، حيث كان الواحد منهم يعرض على أخيه المهاجر أن يطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذه هي المسألة التي تثبت أن إيمان هؤلاء طغى على كل ما عداه، وصار أحب شيء إليهم حتى من المرأة، ومن الغيرة عليها. وقوله تعالى: ﴿ إن ذلكم.. ﴾ [الأحزاب: 53] أي: ما سبق أن ذكر من سؤال أمهات المؤمنين من وراء حجاب، وألا تؤذوا رسول الله، أو تنكحوا أزواجه من بعده، كل هذا ﴿ كان عند الله عظيما ﴾ [الأحزاب: 53] وكيف يؤذي رسول الله، وهو ما جاء إلا ليحمينا من الإيذاء في الدنيا في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن تبدوا شيئا أو تخفوه... ﴾.

33.54

فكأن في الآية إشارة تحذير: إياكم أن تسرقكم خواطركم في هذه المسألة لأن ربكم لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه شيء، وإن كانت الخواطر والهواجس لا يحاسب عليها المرء، إلا أنها محظورة منهي عنها، إن كانت في حق رسول الله. لقد ورد في الحديث الشريف:

" من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة "

هذا في الأمور العامة، أما إن تعلق الأمر برسول الله فلا لأن مراد الحق سبحانه أن يوفر طاقة رسول الله للمهمة التي أرسل بها، وألا يشغله عنها شاغل، وأي مهمة أعظم من مهمة هداية العالم كله، ليس في زمنه صلى الله عليه وسلم، وإنما منذ بعثته وحتى قيام الساعة. وقوله تعالى: ﴿ إن تبدوا شيئا.. ﴾ [الأحزاب: 54] أي: أي شيء مهما كان ﴿ أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ﴾ [الأحزاب: 54] وعليم صيغة مبالغة في العلم لأن علم الله تعالى علم أزلي ليس متجددا بتجدد الحدث، فالله يعلم قبل الفعل وأثناء الفعل وبعده. لذلك قلنا: إن الزمن عندنا نحن ماض وحاضر ومستقبل، أما بالنسبة للحق سبحانه فليس هناك ماض ولا حاضر ولا مستقبل لذلك يتكلم سبحانه عن المستقبل وكأنه ماض. واقرأ مثلا:

أتى أمر الله فلا تستعجلوه..

[النحل: 1] وأتى فعل ماض ومع ذلك قال بعده

فلا تستعجلوه..

[النحل: 1] والاستعجال لا يكون إلا لشيء لم يأت وقته، فكأن أتى معناها بالنسبة لكم سيأتي، أما بالنسبة للحق سبحانه فإنه أتى بالفعل لأن الزمن كله في علم الله سواء. ومعنى: ﴿ فإن الله كان بكل شيء عليما ﴾ [الأحزاب: 54] أي: كان وما يزال عليما لأنه سبحانه ما دام كان عليما، وهو سبحانه لا تتأتى فيه الأغيار، فهو سبحانه عليم فيما مضى ولا يزال لأنه لا يتغير، فكان هنا لا تعني أن علمه تعالى نتيجة لحدثكم الذي أحدثتموه، إنما هو سبحانه عالم قبل أن يحدث منكم. وهذه الآية من الآيات التي وقف عندها المستشرقون ليستدركوا كما يظنون على كلام الله لأنهم دائما يتهموننا أننا ننظر إلى القرآن بقداسة، وأنه كلام الله فلا نعمل فيه عقولنا، وأنهم حين يدققون في القرآن ويتجرأون على البحث فيه يجدون فيه مآخذ - على حد زعمهم. ووجه اعتراضهم في قوله تعالى: ﴿ إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما ﴾ [الأحزاب: 54] ومثله:

والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

[النور: 29]. يقولون: إذا كان الله يمتن بعلم ما نخفي، فما الميزة وما العظمة في علم ما نبدي؟ نقول: إياك حين تقرأ كلام الله أن تحكم فيه عقلك قبل أن تؤمن أنه صادر من الله تعالى، وأن هذا كلامه سبحانه، وعندها أدر المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه الإعجاز فيها.

فقوله تعالى ﴿ إن تبدوا.. ﴾ [الأحزاب: 54] الله لا يخاطب فردا، إنما يخاطب جمهرة الناس، والإبداء من الجمهرة لا يمكن لك أن تحدد مصدر الفعل فيه، بحيث ترد كل صوت، وكل حركة إلى صاحبها. وسبق أن مثلنا لذلك بالمظاهرة مثلا التي تختلط فيها الأصوات وتعلوا الهتافات، وسمعنا مثلا من ينادي بسقوط فلان، أنستطيع في هذه الحالة أن نحدد صاحب هذا الهتاف؟ لا لا نستطيع بسبب اختلاط وتداخل الأصوات، مع أنه جهر أعلنه صاحبه بأعلى صوته وأبداه على الملأ، ومع ذلك لا تستطيع أنت تحديده. أما الحق سبحانه، فيعلم الصوت، ويعلم صاحبه، ويعلم أثره ونتيجته، ويريد كل كلمة، بل وكل نفس إلى صاحبه، فالذين يحاولون التستر والاستخفاء في جمهرة الناس عليهم أن يحذروا إن شوشوا على الخلق، واستخفوا منهم، فلن يستخفوا من الله، فالله لا تشتبه عليه اللغات، ولا تختلط عليه الأصوات. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ لا جناح عليهن في آبآئهن... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٠٢