تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.35

قلنا: إن هذه الآية نزلت تطييبا لخاطر السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، لما حدثت سيدنا رسول الله في أمر الأحكام، وأنها تنزل وتتوجه في الغالب إلى الرجال، ويبدو أنها حدثت رسول الله في أمر النساء، وأن منهن مثل الرجال مسلمات ومؤمنات.. إلخ. ونلحظ أن الآية بدأت بذكر الإسلام، ثم الإيمان، فأيهما يسبق الآخر؟ ونجد إجابة هذا السؤال في قول الحق سبحانه وتعالى:

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..

[الحجرات: 14]. فالإسلام أن تؤدي أعمال الإسلام بصرف النظر، أكان أداؤك لها عن إيمان أو عن غير إيمان؟ لأن الإسلام تلقي حكم، أما الإيمان فأن تؤمن بمن حكم، وتصدق من بلغك هذا الحكم، وعليه فالإيمان سابق للإسلام. لذلك جاءت هذه الآية لتفضح هؤلاء الأعراب الذين تستروا وراء الأعمال الظاهرة للإسلام، وهم غير مؤمنين بها، وقد يأتي الإيمان بعد الإسلام حين تؤدي أعمال الإسلام فتحلو لك، وتجذبك إلى الإيمان والتصديق. لذلك، فرح هؤلاء الأعراب لقوله تعالى:

ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..

[الحجرات: 14] وقالوا الحمد لله لأن لما لا تدخل إلا على ما يمكن أن يجيء، كأن تقول: لما يثمر بستاننا، وثد أثمرت البساتين، والمعنى: أنه سيثمر فيما بعد. قالوا: لأن هناك كثيرا من الأحكام أنت لا تؤمن بالذي حكم بها إلا إذا أدركت حلاوتها، فالرجل الذي جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام، وطلب منه أن يبيت عنده، أو: أن يضيفه، فسأله إبراهيم عليه السلام عن دينه فقال: إنه مجوسي، فرد الباب في وجهه، فعاتبه ربه في ذلك، وقال له: يا إبراهيم تريده أن يغير دينه لضيافة ليلة، وأنا أسعه طوال عمره وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم في إثر الرجل حتى لحق به ودعاه إلى بيته، فقال الرجل: ألم تنهرني منذ قليل، فماذا حدث؟ فقال: لقد عاتبني ربي فيك، فقال الرجل: نعم الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، أشهد ألا إله إلا الله. وقد اشتملت هذه الآية على عشر صفات، بدأت بالمسلمين والمسلمات، وانتهت بالذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وكأن الله تعالى أوجد مراد السيدة أسماء بنت عميس في هذه الصفات العشر التي جمعت الرجال والنساء، واشتملت على كل أنواع التكليف، وهي برقية تدل على أن حكم المرأة التكليفي مطمور في باطن الرجل، وهذه هي الأصول. ومعنى ﴿ والقانتين.. ﴾ [الأحزاب: 35] المداومون على عبادة الله وطاعته في خشوع وتضرع كما نفهم من قوله تعالى ﴿ والمتصدقين والمتصدقات.. ﴾ [الأحزاب: 35] أن للمرأة ذمتها المالية المستقلة وحرية التصرف في مالها بغير إذن زوجها إذا كانت تملك إرثا أو هبة من زوجها أو من غيره، فلا ولاية عليها من أحد.

وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن الزكاة، وهذه من ميزات المرأة في الإسلام، حيث كانت قبل الإسلام، وحتى في الحضارات الحديثة تابعة لأبيها أو لزوجها، والصدقة تشمل الزكاة لأن الله قال فيها:

إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها..

[التوبة: 60]. فالصدقة هي العنوان الأعم، ومعناها أنك صدقت الحق سبحانه حين استأمنك على خير، فاستنبط بمجهودك وسعيك في أرض الله التي خلقها، فكأنك تحقق ما كان من سيدنا أبي بكر حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا صنع بماله الذي كسبه في الغنيمة؟ قال تصدقت به كله، فقال له: " وماذا أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلما سأل عمر - رضي الله عنه - قال: تصدقت بنصفه، ولله عندي نصفه. فكل منهما تصرف في ماله تصرفا منطقيا يناسبه. وإن كانت الزكاة يراد بها نماء المال وطهارته، فالصدقة عطاء لا يراد به إلا وجه الله وثوابه في الآخرة، فكأن المتصدق يريد أن يبر، وأن يعترف لله المعطي بالفضل لأن الله مكنه من مال لم يمكن منه الضعيف، ولا غير القادر. ثم ذكر الحق سبحانه تكليف الصوم ﴿ والصائمين والصائمات.. ﴾ [الأحزاب: 35] والصوم أخذ حكما فريدا من بين أحكام التكاليف كلها، والحق سبحانه جعل لكل تكليف من التكاليف كادر خاص في الجزاء إلا الصوم، فليس له كادر محدد، لذلك قال عنه الحق سبحانه: " إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به " يعني: قرار عال فوق الجميع، فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟ قالوا: لأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشر بشرا أبدا، فمن الممكن مثلا في شهادة أن لا إله إلا الله أن يأتي من يمدح آخر، فيقول له: ليس في الكون إلا أنت، أنت النافع وأنت الضار، وهناك من قال عن نفسه: أنا الزعيم الأوحيد، كذلك في الصلاة نرى من يخضع ويسجد لغير الله كما نخضع ونسجد نحن في الصلاة، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير بالهدايا له أو لمن حوله. لكن، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهرا، أو يوما تقربا إليك؟ لا.. لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا للصائم لأنه سيضطر لأن يظل طوال اليوم يراقبك، أكلت أم لم تأكل؟ ولأن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في الحديث القدسي:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٦٦