تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين..

[البقرة: 215]. لكن قل تأتي مرة مقترنة بالفاء، ومرة أخرى غير مقترنة بها، فلماذا؟ هذا ملمح إعجازي في أداء القرآن، لأن الجواب بقل يعني أن السؤال قد حدث بالفعل، مثل

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..

[البقرة: 189]. أما الجواب حين يقترن بالفاء، فإنه يعني وجود شرط، فالسؤال لم يحدث بالفعل، إنما سيحدث في المستقبل، كما في قوله تعالى:

ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا

[طه: 105]. والمعنى: إن سألوك في المستقبل عن الجبال فقل ينفسها ربي نسفا، فالجواب معد مسبقا لسؤال لم يسأل بعد، لكنه لا بد أن يسأل، وأن يقع منهم، وهذا وجه آخر من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وإلا فقد كان بإمكانهم ألا يسألوا، لكن هيهات أن ينقض أحد كلام الله، أو ينقض علمه تعالى. ما دام الله قال فلا بد أن يقولوا، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى:

تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد

[المسد: 1-5]. فحكم الله تعالى على هذا الكافر العنيد أنه سيموت على كفره، وسيكون مصيره وزوجته النار، وقد سمع أبو لهب وامرأته هذه الآية، وعرفوا صدقها، لكنه مع ذلك لم يؤمن ولو نفاقا، وقد آمن من هو أشد كفرا وعنادا، أمثال: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد وغيرهما. لكن الذي حكم وأخبر أنه لن يؤمن يعلم أنه سينتهي إلى هذه النهاية مهما حذره وأنذره لذلك كان أبو لهب مثالا لغباء الشرك، فلو أنه جاء في محفل من محافل قريش بعد نزول هذه السورة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لأحرج رسول الله وكذب القرآن، لكن لم يحدث شيء من هذا، وما كان ليحدث بعد أن قال الله، مع أنه حر مختار. وفي آية واحدة من كتاب الله وردت الإجابة عن السؤال غير مصدرة قل ولا فقل، وهي قوله سبحانه:

وإذا سألك عبادي عني فإني قريب..

[البقرة: 186]، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال هنا عن ذات الله تعالى لذلك جعل الجواب منه سبحانه مباشرة بلا واسطة لأن المقام مقام سؤال عن قريب مباشر لك، كذلك جاءت الإجابة مباشرة. هذا عن السؤال، أما عن الساعة التي سألوا عنها، فكلمة الساعة حين نطلقها في هذا العصر نريد بها الآلة المعروفة التي تحدد أجزاء الوقت من ليل أو نهار بالسوية، فليس هناك ساعة أكبر من ساعة. والعرب حينما اخترعوا الساعة أو المزولة، كانت ساعة دقاقة بالماء، وهي عبارة عن خزان يقطر منه الماء قطرة قطرة، وكلما نزلت قطرة الماء حركت عقارب الساعة بالتساوي، وسميت ساعة بالذات لأن الساعة هي أقرب أجزاء الوقت لليل أو للنهار، وبعد ذلك عرفنا الدقيقة والثانية والجزء من الثانية. وقد حرص العرب بالذات على حساب الوقت، وفكروا في آلة تضبطه لأن الإسلام يقوم على عبادات موقوتة لا بد أن تؤدى في وقتها، من هنا اخترعوا الساعة. وكأن الحق سبحانه استعار فطرة البشر منهم، حين سمى القيامة الساعة فالساعة التي تنتظرونها هي آلة مواقيتكم في الحركة لذلك قال شوقي رحمه الله:

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثوان

والحق سبحانه يقول:

ويوم تقوم الساعة..

[الروم: 55] أي القيامة:

يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة..

[الروم: 55] أي ساعتكم وآلتكم التي تعارفتم عليها لضبط الوقت، فجمع سبحانه بين الساعة الفاصلة بالقيامة، وبين الساعة التي هي جزء من الليل، أو من النهار. والمعنى: ﴿ يسألك الناس عن الساعة.. ﴾ [الأحزاب: 63] يعني: أتوجد أم لا توجد؟ وإذا كانت توجد، قالوا:

فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 70]. الحق سبحانه تكلم في السؤال عن الساعة في موضعين: هنا ﴿ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ﴾ [الأحزاب: 63]. وفي سورة الشورى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٢٠