33.4
ترتبط هذه الآية بالآيات قبلها، فقد ذكر الله تعالى معسكرين: معسكرا يحب أن يطاع، فقال تعالى لرسوله
يأيها النبي اتق الله..
[الأحزاب: 1] وقال:
واتبع ما يوحى إليك من ربك..
[الأحزاب: 2] وبينهما معسكر آخر نهي رسول الله عن طاعته
ولا تطع الكافرين والمنافقين..
[الأحزاب: 1]. إذن: نحن هنا أمام معسكرين: واحد يمثل الحق في أجلى معانيه وصوره، وآخر يمثل الباطل، وللقلب هنا دور لا يقبل المواربة، إما أن ينحاز ويغلب صاحب الحق، وإما أن يغلب جانب الباطل، وما دمت أنت أمام أمرين متناقضين لا يمكن أن يجتمعا، فلا بد أن تغلب الحق لأن الله تعالى: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. ﴾ [الأحزاب: 4] إما الحق وإما الباطل، ولا يمكن أن تتقي الله وتطيع الكافرين والمنافقين لأن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد. ومعلوم أن القلب هو أهم عضو في الجسم البشري فإذا أصيب الإنسان بمرض مثلا يصف له الطبيب دواء، الدواء يؤخذ عن طريق الفم ويمر بالجهاز الهضمي، ويحتاج إلى وقت ليتمثل في الجسم، فإن كانت الحالة أشد يصف حقنة في العضل، فيصب الدواء في الجسم مباشرة، فإن كان المرض أشد يعطى حقنة في الوريد لماذا؟ ليصل الدواء المطلوب جاهزا إلى الدم مباشرة، ليضخه القلب إلى جميع الأعضاء في أسرع وقت. إذن: فالدم هو الذي يحمل خصائص الشفاء والعافية إلى البدن كله، والقلب هو الموتور الذي يؤدي هذه المهمة لذلك عليك أن تحتفظ به في حالة جيدة، بأن تملأه بالحق حتى لا يفسده الباطل. وسبق أن أوضحنا أن الحيز الواحد لا يمكن أن يسع شيئين في وقت واحد فما بالك إن كانا متناقضين؟ وقد مثلنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إن أردت أن تملأها بالماء لا بد أن يخرج منها الهواء أولا ليدخل مكانه الماء. كذلك الحال في المعاني، فلا يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبدا، وليس لك أن تجعل قلبا للحق وقلبا للباطل لأن الخالق جعل لك قلبا واحدا، وجعله محدودا لا يسع إلا إيمانك بربك، فلا تزاحمه بشيء آخر. ويروى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهورا باللسن والذكاء، فكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل محمد، فشاء الله أن يراه أبو سفيان وهو منهزم بعد بدر، فيقول له: يا جميل، ما فعل القوم؟ قال: منهم مقتول ومنهم هارب، قال: وما لي أراك هكذا؟ قال: مالي؟ قال: نعل في كفك، ونعل في رجلك، قال: والله لقد ظننتهما في رجلي، فضحك أبو سفيان وقال له: فأين قلباك؟ وإذا كان القلب هو المضخة التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والأعضاء حاملا معه الغذاء والشفاء والعافية، كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب، يحملها الدم كذلك إلى الجوارح والأعضاء، فتتجه جميعها إلى طاعة الله، فالرجل تسعى إلى الخير، والعين لا تنظر إلا إلى الحلال، والأذن تسمع القول فتتبع أحسنه، واللسان لا ينطق إلا حقا.
فكل الجوارح إذن لا تنضح إلا الحق الذي تشربته من طاقات الخير في القلب. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله هذا الدرس، فيقول:
" إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألة اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة للحديث عن قضايا المتناقضات التي شاعت عند العرب، فيقول سبحانه: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم.. ﴾ [الأحزاب: 4]. وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته، يقول لها: أنت علي كظهر أمي، ومعلوم أن ظهر الأم محرم على الابن حرمة مؤبدة، لذلك كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلاق، فلما جاء الإسلام لم يجعلها طلاقا، إنما جعل لها كفارة كذب لأن الزوجة ليست أما لك، وحدد هذه الكفارة إما: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صيام ستين يوما. وهذه المسألة تناولتها سورة قد سمع