33.53
الحق - سبحانه وتعالى - وزع الأمر بين رسول الله وبين أمته، فكما قال للرسول في أول السورة
يأيها النبي اتق الله..
[الأحزاب: 1] أمر أمته بذكره وطاعته، وكما تكلم عن أمر يتعلق برسول الله تكلم كذلك عن أمر يتعلق بأمته في قوله
يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن..
[الأحزاب: 49]. بعد ذلك قال لرسول الله:
يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا
[الأحزاب: 45] ليبين عموم نفعه لأمته، فجازاه عن الأمة بأن يصلوا عليه، وأن يتأدبوا حين دخولهم بيته صلى الله عليه وسلم، فقال هنا: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.. ﴾ [الأحزاب: 53] لأن التكليف لا بد أن يكون لمن آمن بالله. وقلنا: إن الحق سبحانه رب وإله، ومعنى رب أنه سبحانه خلق وربى وأنعم وتفضل، والخلق والتربية والإنعام والتفضل ليس خاصا بالمؤمنين، بل لكل من استدعاه الله للوجود من مؤمنين وكافرين. فالشمس تشرق على الجميع، والمطر يروي أرض المؤمن والكافر، والأرض تستجيب للكل، فالذي يحسن أخذ أسباب الله من عطاء الربوبية يأخذ النتيجة، وينال نصيبه موقوتا بمدى الربوبية في الدنيا
من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20] والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. فالمؤمن الذي لا يأخذ يد الله الممدودة له بالأسباب ويهملها يعيش متخلفا عالة على غيره، يعيش شحاذا يستجدي قوته حتى من الكافر، فإذا ما خلت الساحة للكافر، وأخذ هو بالأسباب، وأعطاها حقوقها أخذ هو عطاء الرب، وكان أولى بالمؤمن ألا يترك عطاء ربه، يأخذه من لا يؤمن بالله، ثم يتخلف هو عن ركب الحضارة، وإن كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في الماديات فحسب. أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرت في هذه المجتمعات، بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل مثلا في فندق - كما نزلنا - تجد مكتوبا على باب الحجرة: إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم، فإن حياتك أثمن مما معك، إذا خرجت إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ضرورياتك. إذن: ارتقوا في شيء، وانحدروا في أشياء. وإذا كان مظهر ارتقائهم في الناحية الاقتصادية، فانظر إلى أعلى دخل للفرد في العالم تجده في السويد، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية. لقد تحضرت هذه البلاد حضارة مادية لأنهم أخذوا بأسبابها، فأتقن كل عمله، وأعطى وقت العمل للعمل، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنسانا في الشارع، ولا تجد أحدا يجلس على القهوة مثلا أو يضيع وقت العمل، وفي وقت الراحة يذهب الجميع إلى المطعم ليأكل السندوتش الجاهز، ثم يعود إلى عمله.
هكذا يعيش المجتمع المادي، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع، والحمد لله أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلوا عن الطفولة التي كانوا يعيشون فيها حتى الثلاثين، وهم عالة على الأبوين. والحق سبحانه هنا يعلمنا الأدب مع رسول الله، ويجعله لنا قدوة، فهو صلى الله عليه وسلم عاش عيشة الكفاف مطعما وملبسا ومسكنا، فليس عنده إلا عدة حجرات، لكل زوجة من زوجاته حجرة واحدة، فليس لديه حجرة صالون أو استقبال، فلا بد أن تتعلم الأمة آداب الدخول وآداب الزيارة في مثل هذه الحالة، وخاصة مع رسول الله في بيوته. فقال سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.. ﴾ [الأحزاب: 53] كلمة بيوت جمع بيت، وهو ما أعد للبيتوتة أي: للمبيت فيه، والمبيت في الأغلب الأعم لليل، فهو محل السكون والبيات، أما النهار فهو محل الحركة، ولا بد للإنسان بعد التعب والجهد أن يأوي بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه لذلك سمي البيت سكنا، كذلك سميت الزوجة سكنا للسبب نفسه. فالبيت مسكن لإيواء القالب وراحته، والمرأة سكن لإيواء القلب وراحة النفس، فكلاهما ينبغي أن يكون مصدرا للراحة. والبيت يجمع على بيوت إن أردنا المسكن، ويجمع على أبيات إن أردنا البيت الشعري، وسمي الشعر بيتا عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان لأنه تأوي إليه المعاني، كما نأوي نحن إلى بيوتنا ونسكن فيها، كذلك المعاني تسكن بيت الشعر، فيصير البيت نفسه حكمة. لذلك يقول أحمد شوقي رحمه الله: لا يزال الشعر عاقلا - يعني: لا زينة له من قولهم المرأة العاقل أي: التي لا زينة لها - ما لم تزينه الحكمة، فهو بدونها هراء لا فائدة منه. ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يحفظ ويتداول على مر العصور، كما نستشهد نحن الآن بأبيات المتنبي والمعري وشوقي.. إلخ. والبيتوتة في كل شيء بحسبها، فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم بالليل، والذين يعملون بالليل بيتوتهم بالنهار، وإن كان الأصل في البيات أن يكون ليلا، وإياك أن تشغل إنسانا وقت بيتوته سواء أكانت بالليل أو بالنهار، فوقت العمل للعمل، ووقت السكن للسكن. لذلك فإن أهل الحكمة عندنا في الفلاحين يقولون: من يحرس يعني: بالليل لا يحرث يعني: بالنهار لأن الإنسان إن انشغل وقت راحته لا يجيد عمله ولا يتقنه. بصرف النظر، أكان وقت الراحة في الليل أو في النهار، فأنت مثلا حين تتأمل البلاد التي تشرق فيها الشمس ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وتغيب أيضا ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، هل نتصور أن يعمل أهل هذه البلاد طوال الثلاثة أشهر، وينامون ثلاثة أشهر؟ لا إنما يقسمون هذه الفترة في ليل أو نهار إلى فترات: فترة للعمل، وفترة للراحة.