تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا

[النساء: 8]. وقوله سبحانه: ﴿ كان ذلك في الكتاب مسطورا ﴾ [الأحزاب: 6] أي: في أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب أي: القرآن. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عامة لموكب الرسل جميعا: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم... ﴾.

33.7

كلمة إذ، إذا ظرف لحدث، تقول: إذا جاءك فلان فأكرمه، فالإكرام معلق بالمجيء، والمعنى هنا: واذكر إذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم، وهذه قضية عامة في الرسل جميعا، ثم فصلها الحق سبحانه بقوله: ﴿ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. ﴾ [الأحزاب: 7]. الميثاق: هو العهد يؤخذ بين اثنين، كالعهد الذي أخذه الله تعالى أولا على الخلق جميعا، وهم في مرحلة الذر، والذي قال الله عنه:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم..

[الأعراف: 172]. فما العهد الذي أخذه الله على النبيين؟ العهد هنا هو: الاصطفاء والاختيار من الله لبشر أن يكون رسولا وسفيرا بين الله تعالى والخلق، وحين يصطفي الله رسولا ليبلغ الناس شرع الله، هذا الاصطفاء لا يرد، إذن، فهو عرض مقبول، وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهدا وميثاقا من الله تعالى بأن يحمل رسالة الله إلى الخلق، فهي - إذن - مسألة إيجاب وقبول. فقوله تعالى: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم.. ﴾ [الأحزاب: 7] الآخذ هو الحق سبحانه، والمأخوذ منه هم النبيون، والميثاق: العهد الموثق، والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على أمر يحقق الصالح عندهما معا، ولو اختلف واحد منهما ما تم العقد، فإن كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما يراه لنفسه في العقد. فإن كان الميثاق من الأعلى إلى الأدنى فهو الذي يأخذ العهد للأدنى، لماذا؟ لأنك جعلته في مرتبة أن يعطي عهدا، ويوثق بينك وبينه أشياء لذلك يقول الحق سبحانه:

وميثاقه الذي واثقكم به..

[المائدة: 7]. والمواثقة مفاعلة بين الطرفين: أنتم واثقتموه به وهو واثقكم به لأن الرسل حين يختارهم الله، لا شك أنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالته، فإذا اختار الله رسولا، فقبول الرسول للرسالة ارتضاء منه بما يريده الله من العهد. وهل رأينا رسولا في موكب الرسالات عرضت عليه الرسالة فرفضها؟ إذن: قبول الرسالة كأنه العهد، جاء من طرف واحد في إملاء شروطه لأنه الطرف الأعلى، وحيثية التوثيق في أن الله اختاره، وجعله أهلا للاصطفاء للرسالة. لذلك رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - لما اصطفاه الله للرسالة آنس من نفسه أنها مسألة كبيرة بالنسبة له، لكن لم يردها، إنما طلب من الله أن يسانده في هذه المسئولية أخوه هارون، فقال للحق سبحانه وتعالى:

وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني..

[القصص: 34]. فلم يقل: أنا لا أصلح لهذه المسألة، إنما أذعن لأمر الله، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ومسألة العقدة التي في لسانه يستعين عليها بأخيه. إذن: كلمة الميثاق تدور حول الشيء المؤكد الموثق، ومنه قوله تعالى عن الأعداء:

فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق..

[محمد: 4]. ثم يأتي تفصيل هذه القضية العامة: ﴿ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. ﴾ [الأحزاب: 7]. قوله منك أي من سيدنا رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن لماذا قدم محمدا صلى الله عليه وسلم على نوح عليه السلام، وهو الأب الثاني للبشرية كلها بعد آدم عليه السلام؟ نعلم أن البشرية كلها من سلالة آدم عليه السلام، إلى أن جاء عهد نوح عليه السلام، فانقسموا إلى مؤمن وكافر، ثم جاء الطوفان ولم يبق على وجه الأرض إلا نوح ومن آمن به، فكان هو الأب الثاني للبشر بعد سيدنا آدم. لذلك يقول البعض: إن نوحا عليه السلام رسالته عامة، كما أن رسالة محمد عليه الصلاة والسلام عامة. ونقول: عمومية نوح كانت لمن آمن به ولأهل السفينة في زمن معلوم ومكان محدد، أما رسالة محمد فهي عامة في كل الزمان، وفي كل المكان. أما تقديم ذكر محمد صلى الله عليه وسلم أولا لأن الواو هنا عادة لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، إنما هي لمطلق الجمع، ثم قدم رسول الله لأنه المخاطب بهذا الكلام، ومن إكرامه الله لرسوله أن يبدأ به في مثل هذا المقام، ثم لهذا التقديم ملحظ آخر نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم عن نفسه

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣٤