تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[آل عمران: 81]. والشيء الذي شهد الله عليه لا يحتاج إلى قضاء، لكن لماذا أخذ الله هذا العهد؟ قالوا: لأن الذي لا يؤمن بإله ليس لديه دين يتعصب له حين يأتي رسول جديد، لكن من الصعب على الإنسان أن يكون له دين، ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه، وهنا تكمن المشقة التي يعانيها الرسل. لذلك قال الله تعالى للرسل: من تمام ميثاقكم أن تقولوا لأقوامكم إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، ثم أقررهم على ذلك، وأشهدهم عليه فشهدوا، والمعنى: إياكم أن تتركوا أممكم التي تؤمن بكم بدون أن تضعوا لهم هذه القاعدة، ففيها الوقاية لهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ليسئل الصدقين عن... ﴾.

33.8

اللام هنا في ﴿ ليسأل.. ﴾ [الأحزاب: 8] لام التعليل، فالمعنى أننا أخذنا من النبيين الميثاق، لكن لن نتركهم دون سؤال

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم..

[الأحزاب: 7] لماذا؟ ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم.. ﴾ [الأحزاب: 8] لكن إذا كان المبلغ صادقا، فكيف يسأل عن صدقه؟ سؤال الصادق عن صدقه ليس تبكيتا للصادق، إنما تبكيتا لمن كذب به، سنسأل الرسل: أبلغتم هؤلاء؟ ويقول تعالى:

يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم..

[المائدة: 109] ويسأل الله القوم:

ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا..

[الأنعام: 130]. فالاستفهام هنا للتقريع والتبكيت لمن كذب. أو: يكون المعنى ﴿ ليسأل الصادقين عن صدقهم.. ﴾ [الأحزاب: 8] أي: أنتم بشرتم بأن الإله واحد، فأنتم صادقون لأنكم أخذتم هذه مني، ولما قامت الساعة ولم تجدوا إلها آخر يحمي الكافرين، إذن: فقد صدقت فيما أخبرت به، وصدقتم فيما بلغتم عني، حيث لم تجدوا في الآخرة إلا الإله الواحد. لذلك يقول سبحانه:

ووجد الله عنده فوفاه حسابه

[النور: 39] ولو كان معه سبحانه إله آخر لدافع عن هؤلاء الكافرين، ومنعهم من العذاب. كذلك يسأل الرسل عن البعث الذي وعد الله به، وبلغوه لأممهم، وعن الحساب وما فيه من ثواب وعقاب، وكأن الحق سبحانه يسألهم: هل تخلف شيء مما أخبرتكم به؟ هل قصرت في إثابة المحسن أو معاقبة المسيء؟ إذن: صدق كلامي كله. كما تجلس مع ولدك مثلا تراجع معه المواد الدراسية، وتحثه على المذاكرة فيوفق في الامتحان، ثم تسأله: ماذا فعلت في إجابة السؤال الفلاني؟ فأنت لا تقصد الاستفهام، إنما تستعيد معه أمجاد ما أنجزه بالفعل تسأله عن توفيق الله له، كذلك الحق سبحانه يستعيد مع الرسل وقفتهم لدين الله وإعلاءهم كلمة الحق في هذه الساعة ولا مرد لها. إذن: فسؤال الصادقين عن صدقهم تكريم لهم، وشهادة بأنهم أدوا ما عليهم، وهو كذلك تبكيت لمن كذب بهم. ثم يقول سبحانه: ﴿ وأعد للكافرين عذابا أليما ﴾ [الأحزاب: 8] والفعل الماضي هنا دليل على أن كل شيء معد وموجود سلفا، ولن ينشىء الحق سبحانه شيئا جديدا، كذلك قال عن الجنة

أعدت للمتقين

[آل عمران: 133]. وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى خلق الجنة لتسع الناس جميعا إن آمنوا، وخلق النار كذلك تسع الناس جميعا إن كفروا، يعني: لن تكون هناك أزمة أماكن، فإذا ما أخذ أهل الإيمان أماكنهم من الجنة تتبقى أماكن الذين كفروا شاغرة، فيقول تعالى للمؤمنين: خذوها أنتم:

وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون

[الزخرف: 72]. وقد وصف العذاب مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، ومرة بأنه شديد، ولكل منها ملحظ، فالأليم يلحظ فيه القسوة والإيلام، والعذاب المهين يلحظ فيه إهانة المعذب والنيل من كرامته، فمن الناس من يحاول التجلد، ويظهر تحمل الألم وعدم الاكتراث به، في حين يؤلمه أن تنال من كرامته، فيناسبه العذاب المهين.

لذلك يروى في التجلد أن رجلا دخل على معاوية في مرضه، وهو يظهر للناس أنه بخير وصحته على ما يرام، فقال له الرجل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣٦