33.60-61
المتتبع لموكب الرسالات يجد أن الرسل واجهوا في نشر رسالتهم ثلاثة أصناف من البشر: صنف آمن، وصنف كفر، وصنف وقف مترددا بين الكفر والإيمان، وهؤلاء هم المنافقون. ذلك لأن الرسول حين يبعث إنما يبعث لتغيير وضع اجتماعي بلغ من السوء درجة لا يحتملها الناس، فالذي يعاني من هذا الوضع ينتظر هذا الرسول الجديد، فما أن يبعث حتى يبادر إلى الإيمان به لأنه جاء بمبادىء جديدة، لا ظلم فيها، ولا قهر، ولا استبداد، ولا رشوة، ولا فساد. إذن: من عضته هذه الأحداث، وشقى بهذا الفساد سارع إلى الإيمان، وكذلك آمن أهل مصر، وما إن دخلها الإسلام حتى أسرعوا إليه، لماذا؟ لأنهم شقوا قبله بحكم الرومان، وكذلك آمن الفرس بمجرد أن سمعوا بالإسلام، ورأوا الأسوة الحسنة في المسلمين بعد أن عضهم فساد غير المسلمين. ساعة يشقى الناس بفساد الأوضاع يتطلعون إلى منقذ، فإن جاءهم اتبعوه، خاصة إن كان منهم وله فيهم ماض مشرف لم يجربوا عليه كذبا ولا نقيصة. وهذا ما رأيناه مثلا في قصة إسلام سيدنا أبي بكر، فما أن أعلن محمد أنه رسول الله حتى سارع إلى الإيمان به دون أن يسأله عن شيء، لماذا؟ لأنه عرف صدقه، وعرف أمانته، ووثق من ذلك. ومثله كان إيمان السيدة خديجة - رضي الله عنها - فما إن جاءها رسول الله مضطربا مما لاقى من نزول الملك عليه حتى احتضنته، وهدأت من روعه، وأنصفته، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل لتثبت له أنه على الحق، وأن الله تعالى لن يسلمه ولن يتخلى عنه. وكان مما قالت: " والله إنك لتقري الضيف، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر... ". لذلك قال العلماء: إن السيدة خديجة كانت أول فقيهة في الإسلام قبل أن ينزل الإسلام. وطبيعي أن يكون أهل الفساد والمستفيدون منه على النقيض، فهم ينتفعون بالفساد والاستبداد، ويريدون أن تظل لهم سيادتهم ومكانتهم، وأن يظل الناس عبيدا لهم، يأكلون خيراتهم ويستذلونهم. وهؤلاء الذين استعبدوا الناس، وجعلوا من أنفسهم سادة بل آلهة، ويعلمون أن الرسول ما جاء إلا للقضاء على سيادتهم وألوهيتهم الكاذبة، هؤلاء لا بد أن يصادموا الدعوة، لا بد أن يكفروا بها، وأن يحاربوها، حفاظا على سيادتهم وسلطتهم الزمنية. وعجيب أن نرى من عامة الناس من ألف هذه العبودية، ورضي هذه المذلة، واكتفى بأن يعيش في كنف هؤلاء السادة مهما كانت التبعات، هؤلاء وأمثالهم هم الذين قالوا:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31]. فبعد أن جاءهم الرسول المنقذ ما زالوا يتطلعون إلى عظيم يستعبدهم. وكل من هذين الفريقين المؤمن، والكافر كان منطقيا مع نفسه، فالمؤمن آمن بقلبه، ونطق بلسانه، والكافر كفر بقلبه، وكفر بلسانه، لأنه لم ينطق بكلمة التوحيد، والإنسان قلب وقالب، ولا بد في الإيمان أن يوافق القالب ما في القلب.
أما الصنف الثالث وهو المنافق، فليس منطقيا مع نفسه، لأنه آمن بلسانه، ولم يؤمن بقلبه، فهو جبان يظهر لك الحب، ويضمر الكره لذلك جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار. لذلك، فالعرب لما سألهم رسول الله أن يقولوا: لا إله إلا الله، ليبطل بها سيادة زعماء الكفر أبوا أن يقولوها، لماذا؟ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال، إنما لها تبعات، ويترتب عليها مسئوليات لا يقدرون هم على القيام بها، ولو أنها كلمة تقال لقالوها، وانتهى العداء بينهم وبين رسول الله. فمعنى لا إله إلا الله: لا عبودية إلا لله، ولا خضوع إلا لله، ولا تشريع إلا لله، ولا نافع إلا الله... إلخ، وكيف تستقيم هذه المعاني مع من ألف العبودية والخضوع لغير الله؟ والحق - تبارك وتعالى - لما تكلم هنا عن المنافقين خص المدينة، فقال سبحانه ﴿ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة.. ﴾ [الأحزاب: 60] فالنفاق لم يظهر في مكة، وهي معقل الكفر والأصنام، إنما ظهر في المدينة، وهي التي آوت مهاجري رسول الله، وكان غالبية أهلها من أهل الكتاب، وهم أقرب إلى الإيمان من الكفار، فلماذا هذه الظاهرة؟ قالوا: لإن الإسلام كان ضعيفا في مكة، وصار قويا في المدينة، فالنفاق ظاهرة صحية للإسلام لأنه لولا قوته ما نافقه المنافقون، فظهور النفاق في المدينة دليل على قوة الإسلام فيها، وأنه صارت له شوكة، وصارت له سطوة لذلك نافق ضعاف الإيمان ليأخذوا خير الإسلام، وليحتموا بحماه، وإلا فالضعيف لا ينافق. نعم، ظهر النفاق في المدينة التي قال الله في حق أهلها: