[البقرة: 240]. ثم جعلت عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام احتراما لهذه الغريزة في المرأة. ثم يبين الحق سبحانه الجزاء العادل لمن يؤذي الله ويؤذي رسول الله، فيقول سبحانه: ﴿ لعنهم الله.. ﴾ [الأحزاب: 57] أي: طردهم من رحمته ﴿ في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ﴾ [الأحزاب: 57]. ثم يعطينا الحق سبحانه إشارة إلى أن هذا الجزاء العادل الذي أعده لمن يؤذي الله ورسوله ليس تعصبا لله، ولا تعصبا لرسول الله، بدليل أن الذي يؤذي مؤمنا أو مؤمنة لا بد أن يجازي عن هذا الإيذاء، فسوى المؤمن والمؤمنة في إرادة الإيذاء بإيذاء الله، وبإيذاء رسول الله، فقال سبحانه: ﴿ والذين يؤذون... ﴾.
33.58
لما تكلم الحق سبحانه عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات خص هذا الإيذاء بقوله ﴿ بغير ما اكتسبوا.. ﴾ [الأحزاب: 58] لأن هناك إيذاء مشروعا أوجبه الله للذين يخرجون على حدوده، فحد الزنا والقذف وشرب الخمر.. إلخ كلها فيها إيذاء للمؤمن وللمؤمنة، لكنه إيذاء مشروع لا يعاقب من قام به، كما في إيذاء الله ورسوله. لذلك يقول تعالى في اللذين يأتيان الفاحشة:
واللذان يأتيانها منكم فآذوهما..
[النساء: 16]. والحق سبحانه حين شرع هذه الحدود وهذا الإيذاء، إنما شرعه ليكون عقوبة لمن يتعدى حدود الله، وتطهيرا له من ذنبه، ثم لتكون رادعا للآخرين، فسيدنا عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: ﴿ والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات.. ﴾ [الأحزاب: 58] بكى فقال له جليسه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنني آذيت المؤمنين والمؤمنات، قال: يا أمير المؤمنين إنك تؤذي لتعلم ولتقوم والله تعالى أمرنا أن نرجم، وأن نقطع، فضحك عمر وسر. بل أكثر من هذا يأمرنا الحق سبحانه في الحدود:
ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله..
[النور: 2]. لأن الرأفة في حدود الله رحمة حمقاء، ولسنا أرحم بالخلق من الخالق سبحانه، والله تعالى حين يضخم العقوبة ويؤكد عليها، إنما يريد ألا نجترىء على حدوده، وألا نعرض أنفسنا لهذه العقوبات، ولك أن تسأل حين تقرأ قوله تعالى:
ولكم في القصاص حياة..
[البقرة: 179]. كيف تكون الحياة في القتل؟ نعم، في القصاص حياة لأنك حين تعلم أنك إن قتلت تقتل، فلن تقدم أبدا على القتل، وبذلك حمى الله القاتل والمقتول، وهل يعد هذا إيذاء؟ ومعنى ﴿ بغير ما اكتسبوا.. ﴾ [الأحزاب: 58] أي: بغير جريمة تستحق الإيذاء، وكلمة ﴿ اكتسبوا.. ﴾ [الأحزاب: 58] قلنا: هناك فرق بين: فعل وافتعل، فعل أي الفعل الطبيعي الذي ليس فيه مبالغة ولا تكلف، أما افتعل ففعل فيه تكلف ومبالغة، كذلك كسب واكتسب، كسب: أن تأخذ في الشيء فوق ما أعطيت، كما لو اشتريت بخمسة وبعت بسبعة مثلا فهذا كسب، أما اكتسب ففيها زيادة وافتعال. لذلك تجد في العرف اللغوي العام أن كسب تأتي في الخير واكتسب تأتي في الشر، مثل قوله تعالى:
لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت..
[البقرة: 286] لها ما كسبت تفيد الملكية، وعليها تفيد الدين. ذلك لأن الأمر الحلال يأتي طبيعيا تلقائيا، أما الحرام فيحتاج إلى محاولة وافتعال واحتياط، فحين تنظر مثلا إلى زوجتك تكون طبيعيا لا تتكلف شيئا، أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع، فإنك تتلصص لذلك وتسرق النظرات، خشية أن يطلع أحد على فعلتك، هذا هو الفرق بين الحلال والحرام. وفي آية واحدة في كتاب الله جاء الفعل كسب في الشر، وذلك في قوله تعالى:
بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار..
[البقرة: 81]. فلماذا؟ قالوا: لأن الآية فيمن تعود السيئات، وأحاطت به الخطايا حتى أصبحت عادة، وسهلت عليه حتى صارت عنده كالحلال، يفعله بلا تكلف، بل ويجاهر به ويتباهى، هذا هو المجاهر الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: