تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمرأة التي ادعت النبوة أيضا في زمن المأمون لما أوقفها أمامه يسألها قال لها: ألم تعلمي أن رسول الله قال: لا نبي بعدي؟ قالت: بلى، ولكنه لم يقل لا نبية بعدي! ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء عليما ﴾ [الأحزاب: 40] وما دام أن الله تعالى عليم بكل شيء فليس لأحد أن يعترض لأنه سبحانه هو الذي يضع الرسول المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب، وقد علم سبحانه أن رسالة محمد تستوعب كل الزمان وكل المكان. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الذين... ﴾.

33.41-42

أمرنا ربنا سبحانه بذكره ذكرا كثيرا لأن الذكر عمدة العبادات وأيسرها على المؤمن لذلك نجد ربنا يأمرنا به عند الانتهاء من العبادات كالصلاة والصيام والحج، وجعله سبحانه أكبر فقال

ولذكر الله أكبر..

[العنكبوت: 45]. والذكر شغل الذاكرة، وهي منطقة في المخ، قلنا: إن المعلومة يستقبلها الإنسان في بؤرة شعوره، فإذا أراد أن يحتفظ بها لحين الحاجة إليها حفظها في الحافظة، أو في حاشية الشعور، فأنت مثلا ترى شخصا فتقول: هذا الرجل لم أره منذ عشرين سنة، وآخر مرة رأيته كان في المكان الفلاني. إذن: الذكر لشيء كان موجودا في بؤرة الشعور، الذكر يعني قضية موجودة عندك بواقع كان لها ساعة وجودها، لكن حصلت عنها غفلة نقلتها إلى حاشية الشعور أو الحافظة، بعد ذلك نريد منك ألا تنساها في الحاشية أو في منطقة بعيدة بحيث تحتاج إلى مجهود لتذكرها، إنما اجعلها دائما في منطقة قريبة لك، بحيث يسهل عليك تذكرها دون عناء. وكذلك ينبغي أن يكون ذكرك لله، فهو القضية الحيوية التي ينبغي أن تظل على ذكر لها دائما وأبدا، وكيف تنسى ذكر ربك وقد أخذ عليك العهد، وأنت في عالم الذر، وأخذ منك الإقرار بأنه سبحانه ربك، الحق سبحانه خلق العقل ليستقبل المعلومات بوسائل الإدراك، كما قال تعالى:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. فكأن السمع والبصر هما عمدة الحواس، وبهما نعلم ما لم نكن نعلمه حين نزولنا من بطون أمهاتنا، ونحن حين نستقبل المعلومات يظن بعض الناس أن الناس يختلفون في ذلك ذكاء وبلادة، فواحد يلتقط المعلومة من مرة واحدة، وآخر يحتاج إلى أن تعيدها له عدة مرات. والواقع أن العقل مثل آلة الفوتوغرافيا يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطة أن يكون خاليا ومستعدا لاستقبالها غير مشغول بغيرها لأن بؤرة الشعور لا تسع ولا تستوعب إلا فكرة واحدة، وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى:

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..

[الأحزاب: 4]. فالإنسان الذكي هو الذي لا يشغل باله بأمرين في وقت واحد، ولا يفكر في شيء وهو بصدد شيء آخر، فإذا كانت بؤرة الشعور خالية فالناس جميعا سواسية في التقاط المعلومة. لذلك، المدرس الموفق هو الذي يستطيع أن يجتذب إليه انتباه التلاميذ، ولا يعطيهم الفرصة للانشغال بغير الدرس، وهذا لا يتأتى إلا بالتلطف إليهم وإشراكهم في الدرس بالأسئلة من حين لآخر، ليظل التلميذ متوقعا لأن يسأل فلا ينشغل، لذلك رأينا أن الطريقة الحوارية هي أنجح طرق التدريس، أما طريقة سرد المعلومات فهي تجعل المدرس في واد والتلاميذ في واد آخر، كل منهم يفكر في شيء يشغله.

وسبق أن قلنا: إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ذاهب للامتحان وهو يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه، لماذا؟ لأنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة ضيقة لا تحتمل انشغالا ولا تهاونا، فيلتقط العقل كل كلمة ويسجلها، فإن أراد استرجاعها جاءت كما هي، لماذا؟ لأنها صادفت العقل خاليا غير مشغول. وتأمل عظمة الخالق سبحانه في مسألة التذكر، فالذاكرة جزء صغير في المخ، فكيف بالطفل الصغير الذي لا يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملا ويعيده عليك في أي وقت، ونحن نتعجب من شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين. والقرآن ليس حفظا فحسب، إنما معايشة، فحروف القرآن ملائكة، لكل حرف منه ملك، والملك يحب من يوده، فإذا كنت على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته، فكأنك تود الملائكة، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصت لك الملائكة، وجرى القرآن على لسانك. فإن هجرته هجرك، وتفلت من ذاكرتك لذلك حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هجر القرآن، فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٧٥