تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.43

معنى ﴿ الذي يصلي عليكم.. ﴾ [الأحزاب: 43] الصلاة هي الدعاء، والدعاء لا يكون إلا بطلب الخير للداعي، ولا يدعو إلا قادر على هذا الخير، وعليه كيف نفهم هذا المعنى؟ أيدعو ربنا نفسه تبارك وتعالى؟ قالوا: إذا كانت نهاية الصلاة طلب الخير، وهذا الخير إذا طلب حصل، فالحق سبحانه هو الداعي، وهو الذي يملك مفاتح الخير كله، فهو الذي يصلي عليكم، وهو الذي يعطيكم، وهو الذي يرحمكم. وأيضا يصلي عليكم الملائكة ﴿ وملائكته.. ﴾ [الأحزاب: 43] وقد أخبرنا سبحانه عنهم أنهم

عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون

[الأنبياء: 27]. وقال:

لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

[التحريم: 6]. والملائكة أقسام: منهم المكلفون بخدمتنا ومنافعنا في الأرض، ومنهم من يحفظنا من الأحداث التي قد تفاجئنا بإقدار الله لهم عليها، ومنهم الحفظة والكرام الكاتبون، وهؤلاء الملائكة المتعلقون بنا هم الذين أمروا بالسجود لآدم عليه السلام في قوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29]. وهذا دليل على أنهم سيكونون في خدمته. وكأن الله تعالى قال لإبليس: طلبت منك أن تسجد لآدم، وطلبت من الملائكة وأنت معهم، فإن كنت من الملائكة فينبغي أن تستجيب، وإن لم تكن من الملائكة وحشرتك بطاعتك في زمرتهم كان يجب عليك أن تطيع لأن الأعلى منك سجد. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثل، ولله تعالى المثل الأعلى قلنا: إذا أعلن في أحد الدواوين الحكومية أن الرئيس سيزور هذا الديوان يوم كذا، وعلى الوزراء أن يصطفوا لتحيته، ألم يشمل هذا الأمر وكلاء الوزارة من باب أولى؟ فإذا قال الله للملائكة: اسجدوا لآدم وكان معهم إبليس وهو أقل منهم، فكان عليه أن يسجد. ثم إن كنت يا إبليس أخذت منزلة أعلى من الملائكة بالطاعة، فلا بد أن تكون طاعتك لله على هذه المنزلة، فأنت ملوم على أي حال، إلا أنه كان من الجن، والجن مختار، ففسق عن أمر ربه. وهناك نوع آخر من الملائكة لا دخل لهم بالإنسان ولا بدنياه، وهم الملائكة العالون أو المهيمون، وهم الذين قال الله فيهم لما أبى إبليس أن يسجد قال له ربه:

أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75]. وهؤلاء العالون لم يشملهم الأمر بالسجود لأنهم لا يدرون شيئا عن آدم، وليس لهم علاقة به، وأخصهم حملة العرش وهم أكرم الملائكة، وهؤلاء هم الذين يصلون عليكم بعد أن صلى الله عليكم لذلك يبين لنا الحق سبحانه هؤلاء الملائكة ودورهم في الصلاة علينا والاستغفار لنا، فيقول سبحانه:

الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا..

[غافر: 7]. فهؤلاء هم أخص الملائكة وأكرمهم يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، لكن ما فائدة يؤمنون به بعد أن سبحوه؟ قالوا: لأن التسبيح قد يكون عن خوف ورهبة، أما تسبيح هؤلاء فتسبيح عن حب وعن إيمان، وأنه سبحانه وتعالى يستحق أن يسبح، ومن مهام هؤلاء أيضا أنهم يستغفرون للذين آمنوا، وإن لم تكن لهم علاقة بالناس وليسوا في خدمتهم، إلا أنهم يصلون عليهم ويستغفرون لهم.

إذن: نقول الصلاة من مالك الدعوة القادر على الإجابة رحمة وعطف وحنان، والصلاة ممن دونه دعاء للقادر المالك للخير، فهم يدعون الله للمؤمنين ويستغفرون الله لهم، بل ويبالغون في الدعاء ويتعطفون فيه:

ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم

[غافر: 7]. بل لم يقفوا عند حد طلب النجاة للمؤمنين من النار، إنما يطلبون لهم الجنة

ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم

[غافر: 8]. ثم يزيدون على ذلك:

وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم

[غافر: 9]. ووالله، لو أراد المؤمن أن يدعو لنفسه ما وجد أعم ولا أشمل من دعاء الملائكة له، فبعد أن طلبوا له المغفرة والنجاة من النار لم يتركوه هكذا في أهل الأعراف، لا هم في الجنة، ولا هم في النار، إنما سألوا الله لهم الجنة عملا بقوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٧٨