هذه القضية لا بد أن تسوقك إلى فطرية الإيمان بالله تعالى، وأنه سبحانه خبير عالم
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في..
[الأنعام: 59]. لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية تجندون الجواسيس والمخابرات،وتحصون همس الناس لمعرفة الذين يحتالون في ألا يراهم القانون؟ أليس من فضل الله عليكم أنه سبحانه يعلم ما خفي عليكم ويقتص لكم من خصومكم؟ فقضية القيامة والحساب واضحة بالفطرة لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم ويخافون ما ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم، ولا يملكون إلا إنكاره وعدم الاعتراف به، وكأن هذا الهروب هو الحل. وسورة الكهف تعطينا نموذجا لهؤلاء، وهو صاحب الجنة الذي قال:
ومآ أظن الساعة قائمة..
[الكهف: 36] بعد أن أسرف على نفسه وجحد نعمة الله عليه، ولما تنبه وراجع فطرته قال:
ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
[الكهف: 36]. فالتكذيب بيوم القيامة هو الأغلب والآكد والشك في
ولئن رددت إلى ربي..
[الكهف: 36] يعني: وعلى فرض أني رددت إلى ربي يوم القيامة فسوف يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في الدنيا، فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك. وهذا اعتقاد خاطيء وفهم أحمق، فالله تعالى لا يكرم في الآخرة إلا من أكرم نفسه باتباع منهجه في الدنيا، ومن لم يكرم نفسه هنا بمنهج الله لا يكرمه الله في الآخرة. لذلك كثيرا ما نسمع: دعوت فلم يستجب لي، خصوصا السيدات، جاءتني إحداهن تشتكي أنها توجهت إلى الله بالدعاء، ومع ذلك البنت لم تتزوج والولد كذا والزوج كذا. فكنت أقول لها كتر خيرك أولا أنك عرفت أن لك ربا تفزعين إليه وقت الشدة كما قال سبحانه:
فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا..
[الأنعام: 43]. إنما أسألك: هل أنت أجبت الله أولا فيما طلبه منك كي تنتظري منه أن يجيبك إلى ما طلبت؟ أأجبت الله في شعرك هذا؟ أأجبت الله في شفايفك وتغييرك لخلقة الله؟ فكانت لا تجد جوابا، إلا أن تقول: والله أنا قلبي صافي ولا أوذي أحدا... إلخ. إذن: أخذتم على الله أنكم دعوتم فلم يستجب لكم، ولم تأخذوا على أنفسكم أنه سبحانه دعاكم أولا وناداكم فلم تستجيبوا لندائه، احرصوا أولا على إجابة نداء الله، وثقوا أنه سبحانه سيجيبكم.
نعود إلى ما كنا بصدده من الحديث عن السؤال في القرآن الكريم، فسؤالهم عن الساعة إما ليتأكد السائل أنها ستحدث، وإما لأنه يستبطئها ويريدها الآن. ومادة السؤال جاءت كثيرا في كتاب الله لأن القرآن لم ينزل على رسول الله جملة واحدة، إنما نزل منجما حسب الأحداث ليعطيهم الفرصة للسؤال، وجاء السؤال إما لتحدي رسول الله، وإما للاستزادة من أحكام الله التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء ممن عشقوا الإيمان، فأحبوا أن تبني حركة حياتهم على هدى الإيمان. حتى المسائل التي كانت لها جذور في الجاهلية راحوا يسألون عنها، لماذا، مع أن الإسلام أقرها؟ قالوا: لأنهم أرادوا أن يبنوا أعمالهم على العبادة، لا على العادة الجاهلية. والقرآن حينما عرض لهذه الأسئلة قال مرة:
ويسألونك عن المحيض قل هو أذى..
[البقرة: 222] فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل هذا السؤال لم يقل: هو أذى لأن الجواب ليس من عنده، إنما هو مبلغ عن الله، والله هو الذي يقول، فقال
قل هو أذى..
[البقرة: 222] فكلمة قل هذه من مقول الله تعالى، وأنا أقولها كما هي. لذلك نعجب ممن ينادي بحذف كلمة قل من القرآن، بحجة أنها لا تضيف جديدا للمعنى في حين أنها دليل على صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل على أن ما جاء به ليس من عنده إنما من عند الله وهو مبلغ فحسب، فربه قال له قل وهو يقولها كما هي
ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو..
[البقرة: 219]. وفي موضع آخر: