ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا
[الكهف: 25] فقالوا: نحن نعلم أنها ثلاثمائة، فمن أين هذه الزيادة؟ وجهلوا أن توقيت المناسك الإلهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهلالي لا على حركة الشمس لأن مقتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية اليوم ونهايته، لكن لا نعرف بها أول الشهر ولا آخره. أما التوقيت العربي الهلالي، فله علامة مميزة هي ظهور الهلال أول الشهر، وإذا ما قارنت بين التقويم الهلالي والتقويم الميلادي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر يوما عن السنة الشمسية، فالثلاثمائة سنة الميلادية تساوي في السنة الهجرية ثلاثمائة وتسعة. فكأنهم أرادوا تجهيل محمد، فنبههم الله إلى أنهم هم الجهلة. وعجيب أن يعترض اليهود على هذا التوقيت، مع أنه التوقيت العبادي لسيدنا موسى عليه السلام، ألم يقل سبحانه:
وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه..
[الأعراف: 142]. إذن: فقوله تعالى:
وازدادوا تسعا
[الكهف: 25] فيه إعجاز أدائي بليغ، يدل على أن التسع سنين إنما جاءت زيادة من داخل الثلاثمائة، وليست خارجة عنها.
ثم سألوه صلى الله عليه وسلم عن رجل جوال، فأنزل الله:
ويسألونك عن ذي القرنين..
[الكهف: 83]. فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يسألوا أنفسهم: من أين له هذا العلم، وهو الأمي الذي لم يجلس مرة إلى معلم؟ لذلك قلنا: إن الأمية عيب في كل إنسان، إلا أنها كانت شرفا وميزة في رسول الله بالذات لأنها تعني في حق رسول الله أنه لم يعلمه بشر كما اتهموه، إنما علمه ربه. كذلك كانت الأمة التي نزل فيها القرآن أمة أمية، وهذا أيضا شرف في حقها، فلو أن هذه الأمة كانت أمة علم وثقافة لقالوا عن الإسلام: إنه قفزة حضارية، لكنها كانت أمة أمية يسودها النظام القبلي، فلكل قبيلة قانونها ونظامها، ولكل قبيلة رئيسها، ومع ذلك خرج منهم من جاء بنظام عام يصلح لسياسة الدنيا كلها، إلى أن تقوم الساعة، وهذا لا يتأتى إلا بمنهج إلهي. إذن: الأمية في العرب شرف، وعجزهم عن محاكاة القرآن، والإتيان بمثله أيضا شرف لهم، فكون الحق سبحانه يتحداهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا المجال، وإلا فأنت لا تتحدى الضعيف إنما تتحدى القوي في مجال التحدي، فكأن تحدي الله العرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخلق لذلك جاءهم بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه. ثم يسأل اليهود رسول الله عن الساعة ﴿ يسألك الناس عن الساعة.. ﴾ [الأحزاب: 63] وهم يسألون عن الساعة يعني: عن يوم القيامة لأنهم ينكرونه، ومن مصلحتهم ألا يكون هذا اليوم، حتى لا يقفوا موقف المساءلة والحساب على ما أجرموه في الدنيا من ظلم وشرك وعربدة وسفك للدماء، ولغو في أعراض الناس. ولو بحث هؤلاء قضية القيامة والحساب بالعقل - لا بنصوص القرآن - لوجدوا أنها أمر منطقي لا بد أن يحدث، فمثلا نحن عاصرنا الحزب الشيوعي في روسيا سنة 1917، ورأينا كيف أخذوا الإقطاعيين والرأسماليين وعذبوهم، وفعلوا بهم الأفاعيل، وصادروا ممتلكاتهم جزاء لهم على ظلمهم للناس، وكنا نقول لهم: نعم هذا أمر منطقي أن تقتص من الظالم، لكن ما بال كثير من الظلمة الذين ماتوا أو لم تدركوهم وأفلتوا من قبضتكم؟ بالله، لو جاء شخص ودلكم على مكان أحد الظلمة هؤلاء، ألستم تحمدون له هذه المساعدة؟ فكيف به لو قال: بل سأحضره وأحاسبه وأقتص منه، أليست هذه إعانة لكم على مهمة الانتقام من الظالمين؟ لذلك نقول: كان من الواجب أن يكون الشيوعيون أول الناس إيمانا بيوم القيامة وبالبعث والحساب ليتداركوا من أفلت من أيديهم. شيء آخر: ألستم تضعون - في أي نظام من أنظمتكم الوضعية - القوانين المنظمة؟ ما معنى القانون: القانون قواعد تحدد للمواطن ما له وما عليه، أليس في قوانينكم هذا مبدأ الثواب للمحسن، والعقاب للمقصر؟ إذن: كل مجتمع لا بد أن تكون فيه عناصر خارجة على نظامه، وتستحق العقوبة، فمن استطاع أن يدلس على المجتمع، وأن يداري جريمته ما حظه من العقوبة، وقد استشرى فساده وكثر ظلمه؟ إذن: لا بد أن نؤمن بقدرة أخرى لا يخفى عليها أحد، ولا يدلس عليها أحد، ولا يهرب منها أحد، قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها.