. } [الأحزاب: 49] والتي فرض لها مهر لها نصفه، فكل آية تخص وتعالج حالة معينة، وليس بين الآيتين نسخ. وبعض العلماء يرى أنه لا مانع، إن فرض لها مهر أن يعطيها المتعة فوق نصف مهرها، وهذا رأي وجيه، فالعدل أن تأخذ نصف ما فرض لها، والفضل أن يعطيها المتعة فوق هذا النصف، وينبغي أن تبنى المعاملات دائما على الفضل لا على مجرد العدل، وربنا عز وجل يعلمنا ذلك، حين يعاملنا سبحانه بفضله لا بعدله، ولو عاملنا بالعدل لهلكنا جميعا. لذلك جاء في دعاء الصالحين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب. نعم، فإن لم يكن في الآخرة إلا الحساب، فلن يكسب منا أحد، وقد ورد في الحديث:
" من نوقش الحساب عذب ".
ويقول سبحانه:
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
[يونس: 58]. فالفرح لا يكون إلا حين يشملك فضل الله، وتعمك رحمته، وفي الحديث الشريف:
" " لن يدخل أحد الجنة بعمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
فإن قلت: فكيف نجمع بين هذه النصوص من القرآن والسنة، وبين مكانة العمل ومنزلته في مثل قوله تعالى:
ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون
[النحل: 32]. قالوا: صحيح أن للعمل منزلته وفضله، لكنك حين تعبد الله لا تقدم لله تعالى خدمة بعبادتك له، إنما الخدمة مقدمة من الله لك في مشروعية العبادة، وإلا فالله تعالى بكل صفات الكمال خلقك وخلق الكون كله لك، فإن كلفك بعد ذلك بشيء، فإنما هو لصالحك، كما تكلف ولدك بالجد والمذاكرة. ثم لو أنك وضعت عملك في كفة، ونعم الله عليك في كفة لما وفت أعمالك بما أخذته من نعم ربك. إذن: إن أثابك بعد ذلك في الآخرة فإنما بفضله تعالى عليك ورحمته لك. ومثلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - بقولك لولدك: لو نجحت آخر العام سأعطيك هدية أو مكافأة، فمع أنه هو المستفيد من نجاحه إلا أنك تزيده لأنك محب له وتحب له الخير. إذن: ينبغي أن نتعامل بهذه القاعدة، وأن نتخلق بهذا الخلق، خاصة في مثل هذه الحالة، حالة الزوجة التي طلقت قبل الدخول بها. فإن قلت: ولماذا تأخذ الزوجة التي طلقت قبل الدخول بها نصف المهر والمتعة أيضا؟ نقول: هو عوض لها عن المفارقة، فإن كانت هي المفارقة الراغبة في الطلاق، فليس لها شيء من المهر أو المتعة، إنما عليها أن ترد على الزوج ما دفعه، كما جاء في حديث المرأة التي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره أنها لا تريد البقاء مع زوجها، فقال لها: " ردي عليه ما دفعه لك " وهذه العملية يسميها العلماء الخلع.
ثم بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة المتعة قال: ﴿ وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ [الأحزاب: 49]. السرح في الأصل: شجر له ثمر، يوجد في البوادي، ترعاه الماشية وتحبه، فالكبيرة منها تأكل من أعلى الشجرة، أما الصغيرة فيتعهدها الراعي إن كان عنده دقة رعاية، بأن يضرب بعصاه غصون الشجرة، فتتساقط منها بعض الأوراق، فيأكلها الصغار. ومن ذلك قوله تعالى عن عصا موسى عليه السلام:
وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 18]. وروي أن سيدنا عمر مر على راع فقال له: يا راع، فنظر الراعي إلى أمير المؤمنين، وقال: نعم يا راعينا - يعني: أنا راعي الغنم وأنت راعي الراعي، فكأنه لا يتكبر راع على راع - فقال عمر: يا هذا في الأرض التي تبعد عنك كذا وكذا سرح أجمل من هذا وأخصب، فاذهب إليه بماشيتك. وهذا درس في تحمل مسئولية الرعية والحرص عليها، وكان عمر رضي الله عنه خير من تحمل هذه المسئولية، فيروى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رأيا جماعة من التجار عابري السبيل يلجئون إلى المسجد للمبيت فيه، منهم من يحمل بضاعته، ومنهم من يحمل ثمن بضاعة باعها، فخافا أن يجترىء عليهم أحد فيسرقهم، فبات عمر وعبد الرحمن يتسامران حتى الفجر لحراسة هؤلاء العابرين. وحتى الآن، في الفلاحين يقول الذاهب في الصباح إلى الحقول نسرح وللعودة آخر النهار نروح، ثم تدوول هذا اللفظ فأطلق على كل خروج إلى شيء، ومن ذلك نقول: اعطني التسريح، فكأني كنت محبوسا فسمح لك بالخروج، ومن ذلك تسريح الزوجة. لكن تسريح الزوجة وصفه الله تعالى بقوله ﴿ سراحا جميلا ﴾ [الأحزاب: 49] وكل شيء وصف في القرآن بالجمال له مزية في ذاته، كما في