وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..
[النحل: 44]. فلو أن سنة رسول الله لم تتعرض لهذه المسألة، لكان هذا الفهم جائزا في أن مجرد العقد يبيح عودة الزوجة لزوجها ثانية، لكن الذي أناط الله به مهمة بيان القرآن وقال عنه:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. إذن: فهو صلى الله عليه وسلم له حق التشريع، وقد بين لنا المراد هنا في قوله تعالى:
حتى تنكح زوجا غيره..
[البقرة: 230]. فأبقى كلمة النكاح على أنها مجرد العقد، ثم بين المراد من ذلك، فقال للرجل: " حتى تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها " إذن: تمام الآية لا يجيز لمن يقول: إن مجرد العقد يبيح للرجل أن يعيد زوجته التي طلقت ثلاث مرات إلا بعد أن تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها، وهذه المسألة جعلها الله تأديبا للرجل الذي تعود الطلاق، وسهل عليه النطق به، حتى صار على لسانه دائما. ومن رحمة الخالق بالخلق، ومن حرصه - تبارك وتعالى - على رباط الأسرة أن أحل المرأة للرجل كما قلنا بكلمة زوجني وزوجتك لكن عند الفراق لم يجعله بكلمة واحدة، إنما جعله على مراحل ثلاث ليبقي للمودة وللرحمة بين الزوجين مجالا، فإن استنفد الزوج هذه الفرص، وطلق للمرة الثالثة فلا بد أن نحرق أنفك بأن تتزوج امرأتك من زوج غيرك زواجا حقيقيا تمارس فيه هذه العملية، وهي أصعب ما تكون على الزوج.
ونلحظ هنا أن دقة التشريع أو صعوبته في كثير من المسائل لا يريد الله منه أن يصعب على الناس، وإنما يريد أن يرهب من أن تفعل ذلك، يريدك أن تبتعد عن لفظ الطلاق، وألا تلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله فيقول:
" إن أبغض الحلال عند الله الطلاق "
فالذين يعترضون على الطلاق في شرعنا، ويتعجبون كيف يفارق الزوج زوجته بعد العشرة الطويلة والحب والمودة يفارقها بكلمة، وفات هؤلاء أن الطلاق وإن كان الأبغض إلا أنه حلال، ويكفي أن الله تعالى جعله على مراحل ثلاث، وجعله لا يستخدم إلا عند الضرورة، وحذر الرجل أن يتساهل فيه، أو يجريه على لسانه، فيتعوده. ونلحظ أن الحق سبحانه خص المؤمنات في قوله: ﴿ إذا نكحتم المؤمنات.. ﴾ [الأحزاب: 49] مع أن المؤمن يباح له أن يتزوج من الكتابية، مسيحية كانت أو يهودية، فكأن في الآية إشارة لطيفة لمن أراد أن يتزوج فليتزوج مؤمنة، ولا يمكن من مضجعه إلا مؤمنة معه، وهذا احتياط في الدين، فالمؤمنة تكون مأمونة على حياته وعلى عرضه، وعلى أولاده وماله، فإن غير المؤمنة لا تؤتمن على هذا كله. وقد رأينا بعض شبابنا الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، وتزوجوا من أجنبيات، وبعد الزواج ظهرت النكبات والمصائب، فالأم لا تنسى أنها يهودية أو نصرانية، وتبث أفكارها ومعتقداتها في الأولاد، إذن: فعلى المؤمن أن يختار المؤمنة لأنها مؤتمنة عليه وعلى بيته. وأذكر حين سافرنا إلى الخارج، كنا نسأل: لماذا أبحتم لأنفسكم أن تتزوجوا الكتابية، ولم تبيحوا لنا أن نتزوج المسلمة؟ وكان بعض الآباء يأتون ببناتهم اللائي ولدن في ألمانيا مثلا، وكانت البنت تحاج والدها بهذه المسألة، لماذا لا أتزوج ألمانيا كما تزوجت أنت ألمانية؟ فكنا نرد على بناتنا هناك: بأن المسلم له أن يتزوج كتابية لأنه يؤمن بكتابها، ويؤمن بنبيها، لكن كيف تتزوجين أنت من الكتابي، وهو لا يؤمن بكتابك، ولا يؤمن بنبيك؟ إذن: فالمسلم مؤتمن على الكتابية، وغير المسلم ليس مؤتمنا على المسلمة. وقوله تعالى: ﴿ فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا ﴾ [الأحزاب: 49] وفي موضع آخر قال سبحانه في نفس هذه المسألة:
وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم..
[البقرة: 237]. ويمكن أن نوفق بين هاتين الآيتين بأن الأولى نزلت فيمن لم يفرض لها مهر، والثانية فيمن فرض لها مهر، التي لم يفرض لها مهر لها المتعة { فمتعوهن.