فصبر جميل..
[يوسف: 18] وتسريح الزوجة عادة ما يصاحبه غضب وانفعال، فينبغي أن يكون التسريح جميلا لا عنف فيه، كأن يطيب خارطها بقوله: هذا قدرنا، وأرجو الله أن يعوض عليك بخير مني أو غير ذلك، مما يراه مناسبا لتخفيف الخطب عليها، ويكفي أن تتحمل هي ألم المفارقة ومصيبة الطلاق. وأي جمال فيمن يفارق زوجته بالسباب والشتائم، ويؤذيها بأن يمنعها حقا من حقوقها. وهذه الآية عالجت قضية هامة من قضايا الأسرة لأنها مرادة للحق سبحانه، فالله تعالى خلق الإنسان الخليفة، وهو آدم عليه السلام، وخلق منه الزوجة ليحقق منهما الخلافة في الأرض، لكن لماذا هذه الخلافة؟ قالوا: ليستمتعوا بآثار قدرة ربهم وحكمته في كونه، كما تسعد أنت حين تأتي لأولادك بما لذ وطاب من الطعام، وتفرح حين تراهم يأكلون ويتمتعون بما جئت به، تفرح لأنك عديت أثر قدرتك للغير - ولله تعالى المثل الأعلى -. فما دام الحق سبحانه جعل الخليفة في الأرض ثم حدد مهمته، فقال:
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61] إذن: لا بد أن يضمن لهذا الخليفة مقومات حياته ومقومات استبقاء هذه الحياة لا تكتمل إلا بمقومات بقاء النوع، فإنه لن يعيش في الدنيا وحيدا لآخر الزمان. واستبقاء الحياة يكون بالقوت لذلك فإن ربك عز وجل قبل أن يستدعيك إلى الوجود، وقبل أن يخلقك خلق لك، خلق لك الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأرض والهواء والماء، فأعد للخليفة كل مقومات حياته. واقرأ قول الله تعالى:
قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين
[فصلت: 10]. إذن: فمخازن القوت مملؤة
وما ننزله إلا بقدر معلوم
[الحجر: 21] وما دام خالق البشر قدر لهم الأقوات مقدما، فليست لك أن تقول " انفجار سكاني " قل: إنك قصرت في استنباط هذا القوت بما أصابك من كسل أو سوء تخطيط. ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى:
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
[النحل: 112]. ومن الكفر بنعمة الله سترها بالكسل والقعود عن استنباطها، وقد يشقى جيل بكسل جيل قبله، لذلك لما تنبهنا إلى هذه المسألة، وبدأنا نزرع الصحراء ونعمرها انفرجت أزمتنا إلى حد ما، ولو بكرنا بزراعة الصحراء ما اشتكينا أزمة، ولا ضاق بنا المكان. والحق سبحانه يعلمنا أنه إذا ضاق بنا المكان ألا نتشبث به، ففي غيره سعة، واقرأ:
إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..
[النساء: 97]. لذلك يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى في الخلوة الليلية معه:
إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل..
[المزمل: 20] إلى أن يقول:
علم أن سيكون منكم مرضى..
[المزمل: 20] والمرضى غير قادرين على العمل، فعلى القادر إذن أن يعمل ليسد حاجته وحاجة غير القادر
وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله..
[المزمل: 20]. إذن: قانون الإصلاح الذي جعله الله لحياة البشر يقوم على دعامتين: الضرب في الأرض والسعي في مناكبها، وفيه مقومات الحياة، ثم نقاتل في سبيل الله لبقاء الدعوة والمنهج، فالأولى للقالب، وبها نأكل ونشرب ونعيش، والأخرى للقيم. فإن قعدت الأمة أو تكاسلت عن أي من هاتين الدعامتين ضاعت وهلكت وصارت مطمعا لأعدائها لذلك تجد الآن الأمم المتخلفة فقيرة، تعيش على صدقات الأمم الغنية لأنها كفرت بأنعم الله وسترتها، ولم تعمل على استنباطها، قعدت عن الاستعمار والاستصلاح. أما الأغنياء فعندهم فائض لا يعطى للفقراء، إنما يرمى في البحر ويعدم، لتظل لهم السيادة الاقتصادية، لذلك نستطيع أن نقول بأن شر العالم كله والفساد إنما يأتي بكفر نعم الله، إما بسترها وعدم استنباطها، أو بالبخل بها على غير الواجد.