تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فذهب الرجل، فلم يجد الركب، فشد على راحلته، حتى صار بينهما في الركب، فالتفت ابن سنان، وقال: يا ابن عوف، هذا أوس يلحق بنا، فقال: وماذا أصنع به امض، فناداه أوس: يا حارث: اربع علي ساعة، يعني: انتظرني - ولك عندي ما تحب، ففرح الحارث وعاد معه. عاد أوس إلى بيته، وقال لامرأته: ادعي ابنتك الكبرى، فجاءت، فقال: با بنية إن الحارث بن عوف سيد بني مرة جاء ليخطبك فقالت: لا تفعل يا أبي، فقال: ولم؟ قالت: إنني امرأة في وجهي ردة - يعني قبح يرد من يراني - وفي خلقي عهدة - أي عيب - وليس بابن عم لي فيرعى رحمي، ولا بجار لك في بلدك فيستحي منك، وأخاف أن يكره مني شيئا، فيطلقني فيكون علي فيه ما تعرف. فقال لها: قومي، بارك الله فيك. ثم قال لامرأته: ادعي ابنتك الوسطى فجاءت، فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا تفعل يا أبي، قال: ولم؟ قالت: أنا امرأة خرقاء - يعني: لا تحسن عملا - وليست لي صناعة، وأخاف أن يرى مني ما يكره فيطلقني، ويكون في ما يكون فقال لها: قومي بارك الله فيك، وادعي أختك الصغرى، وكانت هذه هي بهيثة التي نضرب بها المثل في هذا الموقف. لما عرض عليها أبوها الأمر قالت: افعل ما ترى يا أبي، قال: يا بنيتي، لقد عرضته على أختيك فأبتاه، قالت: لكني أنا الجميلة وجها الصناع يدا، الرفيعة خلقا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه، فقال: بارك الله فيك. ثم قام إلى الحارث وقال: بورك لك يا حارث، فإني زوجتك ابنتي بهيثة، فبارك الله لكما، قال: وأنا قبلت زواجها. ثم قال لامرأته: هيئي ابنتك، واصنعي لها فسطاطا بفناء البيت، ولما صنع الفسطاط حملت إليه بهيثة، ودخل عليها الحارث، لكنه لم يلبث طويلا حتى خرج، فسأله ابن سنان: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله، يا بن سنان، قال: ولم؟ قال: جئت لأقترب منها. فقالت: أعند أبي وإخوتي؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فخرجت. فقال: ما دامت لا ترضى وهي عند أبيها وإخوتها، فهيا بنا نرحل، فأمر بالرحيل، وسار الركب بهم طويلا، ثم قال: يا بن سنان تقدم أنت - يعني: أعطنا الفرصة - فتقدم ابن سنان بالركب، وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب خيمته، ثم دخل عليها فقالت له: ما شاء الله، أتفعل بي كما يفعل بالسبية الأخيذة، والأمة الجليبة؟ والله لا يكون ذلك حتى أذهب إلى أهلك وبلدك، وتذبح لي الذبائح، وتدعو سادة العرب، وتصنع ما يصنعه مثلك لمثلي.

الشاهد هنا - وهو درس لبنات اليوم - أنها لم ترض لزوجها، ولم تقبل منه في بيت أبيها، ولا في الطريق، ولم تتنازل عن شيء من عزتها وكبريائها، مع أنها زوجته. وفعلا تم لها ما أرادت، وذبحت لها الذبائح، ودعي لها سادات العرب، فلما دخل عليها وحاول الاقتراب منها، قالت: لقد ذكرت لي شرفا ما رأيت فيك شيئا منه، فقال: ولم؟ قالت: أتفرغ لأمر النساء والعرب يقتل بعضهم بعضا - تريد الحرب الدائرة وقتها بين عبس وذبيان - اذهب فأصلح بينهما، ثم عد لأهلك، فلن يفوتك مني شيء، فذهب الحارث وابن سنان، وأصلحا بين عبس وذبيان، وتحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير يؤدونها في ثلاث سنوات، ثم عاد إليها، فقالت له: الآن لك ما تريد. وهذه الآية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن.. ﴾ [الأحزاب: 49] بظاهرها أعطت فهما لبعض الناس الذين يريدون أن يتحللوا من أحكام الدين في أشياء قد ترهقهم: فمثلا الذي طلق امرأته ثلاث مرات، واستوفى ما شرع له من مرات الطلاق حكمه أنه لا تحل له زوجته هذه إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، فيأتي من يقول - بناء على الآية السابقة - ما دام النكاح هنا بمعنى العقد فهو إذن كاف في حالة المرأة التي طلقت ثلاث مرات، وأنها تحل لزوجها الأول بمجرد العقد على آخر. ونقول: لكن فاتك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوض من ربه بالتشريع وبيان وتفصيل ما جاء في كتاب الله من أحكام، كما قال سبحانه مخاطبا نبيه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٨٦