وأذكر أنهم كانوا يسألوننا سؤالا وكأنه لغز: أو يعتد الرجل؟ أو: أو ليس للمرأة عدة عند الرجل؟ قالوا: نعم، يعتد الرجل في حالة واحدة وهي: إذا تزوج امرأة ثم طلقها، وأراد أن يتزوج بأختها، فعليه أن يمضي العدة ليحل له الزواج بأختها. أما عدة التي انقطع عنها الحيض فثلاثة أشهر، وعدة الحامل أن تضع حملها، أما عدة المتوفي عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرة أيام، لكن ما الحكم إذا اجتمع للمرأة الحمل مع وفاة الزوج، فكيف تعتد؟ قالوا: تعتد في هذه الحالة بأبعد الأجلين: الحمل، أو الأربعة أشهر وعشرة أيام. ولك أن تسأل: لماذا كانت عدة المطلقة ثلاثة أشهر، وعدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؟ قالوا: لأن هناك فرقا بين الطلاق والوفاة بالنسبة لعلاقة الزوج بزوجته، سببه أن الذي خلق الذكر والأنثى جعل هناك كلمة تجمعهما، هذه الكلمة هي: زوجني وزوجتك شريطة أن تكون علانية على رءوس الأشهاد، ولا تستهن بهذه الكلمة، فأنت لا تعلم ما الذي تصنعه هذه الكلمة في ذرات التكوين الإنساني، ولكنك تعرفها بآثارها. وقلنا: هب أنك تعرضت لشاب تعود معاكسة ابنتك مثلا، ماذا تصنع أنت؟ لا شك أنك ستثور، ويفور دمك، وتأخذك الغيرة، وربما تعرضت له بالإيذاء، أما إن جاء من الباب، وطلب يدها منك ترحب به وتسعد ويفرح الجميع، فما الذي حدث؟ وما الفرق بين الموقفين؟ فالذي أهاجك أنه تلصص عليها من غير إذن خالقها، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:
" اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ".
" ويقول رسول الله لرجل كان مشهورا بالغيرة على بناته، وقد جاء يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زواج إحدى بناته، فضحك رسول الله وقال: " جدع الحلال أنف الغيرة ".
فالعقد الذي يجمع الزوجين على كلمة الله يجعل الله به بين الزوجين سيالا حلالا عند كل منهما، ويلتقي هذان السيالان في الحلال وتحت مظلة الشرع الذي جمعهما. وعادة ما يصاحب الطلاق بغض من الطرفين، أو كره من أحدهما للآخر لذلك تكون العدة بينهما ثلاثة أشهر أو وضع الحمل لأن الكراهية التي حدثت بينهما تميت خلايا الالتقاء بين الأنسجة، وتسرع بانتهاء ما بينهما من سيال وتطمسه.
أما في حالة موت الزوج، فقد قطع النكاح قدريا من الله، فعادة ما تكون الزوجة محبة لزوجها، حزينة على فقده، وتأتي فاجعة الموت، فتزيدها حبا له، وفي هذه الحالة ليس من السهل أن ينتهي السيال بينهما لذلك يشاء الخالق سبحانه أن يطيل أمد العدة إلى أن ينتهي هذا السيال الذي جمعهما، فلا يدخل على سيال الرجل سيال جديد، فيحدث صراع بين السيالين لذلك كانت عدة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة. وقوله تعالى: ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن.. ﴾ [الأحزاب: 49] يعني: أن الطلاق قبل المس والدخول كان موجودا كما هو موجود الآن، ونحن نرى الطرفين أو أحدهما يتعجل العقد، رغم أنه غير مستعد لنفقات الزواج، إنما يتعجله لمصلحة تعود عليه من هذا الارتباط. وقد ذكر لنا التاريخ أن كثيرا من الأسر، خاصة الأسر العربية الأصيلة كانت تفعل ذلك، لكنهم لم يكونوا يسمحون للزوج في هذه الحالة أن يختلي بالزوجة، وإن كان عاقدا عليها، وبعض فيتاتنا لهن قصص مشرفة في هذه المسألة. ومما روي في هذا الصدد قصة بهيثة بنت أوس بن حارثة الطائي والحارث بن عوف، وهو سيد من سادات بني مرة، وكان للحارث ابن عوف صديق اسمه ابن سنان، وفي ليلة جلس الحارث يتسامر مع صديقه ابن سنان فقال له: ترني لو أنني خطبت إلى أحد من العرب ابنته أيردني؟ قالها وهو معتز بنفسه فخور بسيادته على قومه. فلما رآه صاحبه على هذه الحالة قال له: نعم هناك من يردك، قال: من؟ قال: أوس بن حارثة الطائي، فنادى الحارث على غلامة وقال: أحضر المراكب، وهيا بنا إلى أوس بن حارثة الطائي، فذهبوا إليه، فوجدوه جالسا في فناء بيته، فلما رآه أوس قال له: مرحبا بك يا حارث، فأقبل عليه الحارث، وقال: ويك يا أوس، ما الذي جاء بك؟ وتركه على دابته - قال: جئتك خاطبا لابنتك، فقال له: لست هناك - يعني لست أهلا لها - فلوى الحارث زمام دابته منصرفا، في حين بدا على ابن سنان الارتياح لأن كلامه صدق في صاحبه. فلما دخل أوس على امرأته سألته: من رجل وقف معك فلم يطل ولم ينزل؟ قال: إنه الحارث بن عوف سيد من سادات بني مرة، فقالت: ولماذا لم تستنزله عندك؟ قال: لقد استحمق - يعني: ارتكب حمقا - قالت: وكيف هذا؟ قال: إنه جاء يخطب ابنتي، قالت: عجبا أو لا تريد أن تزوج بناتك؟ قال: بلى، قالت: فإذا كنت لا تزوجهن من سادات العرب، فمن تزوجهن؟ يا أوس، اذهب فتدارك الأمر، قال: كيف وقد فرط مني ما فرط؟ قالت: الحق به، وقل له: إنك جئتني وأنا مغضب من أمر لا دخل لك فيه، ولما راجعت نفسي جئتك معتذرا أطلب منك أن تعود، ولك عندي ما تحب.