ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة، إنما تركك تربع في نعمه، منذ ميلادك إلى سن البلوغ بدون تكليف، ومعنى البلوغ أن تصل سن الرشد فتقبل على الله بعقل وفكر، فالدين ليس تقليدا إنما عقيدة واقتناع. وسبق أن شبهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها، وتصير صالحة للإنبات إن زرعت، وهذه من عظمة الخالق سبحانه، ولو أن الثمرة تحلو وتستوي قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، ولما انتفع بها أحد بعدنا، ومثلنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة فاعلم أن ثمرتها استوت وحلت وصارت صالحة للأكل، وهذه المسألة جعلها الخالق سبحانه لحفظ النوع. شيء آخر: بعد أن بلغت سن التكليف، أجاءك التكليف مستوعبا لكل حركة في حياتك؟ أجاء قيدا لك؟ حين تتأمل مسائل التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا، وهذه المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك، وترك لك نسبة الخمسة والتسعين أنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل، فأي عظمة هذه! وأي رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز وجل! وهذا إن دل فإنما يدل على حب الخالق سبحانه لخلقه وصنعته. أفلا يستوجب ذلك منا ألا نغفل عن ذكره، وأن نكثر من تسبيحه وشكره، في كل غدوة وعشية. والأعظم من هذا كله أنه - سبحانه وتعالى - جعل ذكرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت، وفي ميزانك لذلك قال في الآية التي بعدها: ﴿ هو الذي يصلي عليكم... ﴾.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٧٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٧٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي