فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..
[آل عمران: 185]. وهذه المسألة من المسائل التي وقف أمامها المستشرقون، فقالوا: إنها تتناقض مع الحديث النبوي:
" ما من يوم تطلع شمسه إلا وينادي ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا "
، فكيف تقولون: إن الملائكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم بالشر؟ وهم معذورون في اعتراضهم لأن ملكاتهم لا تستطيع فهم المعاني في الحديث الشريف، والتناقض في نظرهم في قوله صلى الله عليه وسلم: " ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " ، فالأولى واضحة لا تناقض فيها لأنها دعوة بالخير، أما الثانية فهي دعوة بالشر. " اللهم أعط ممسكا تلفا ". ولو تأملوا نص هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب، فالتلف يعطى أم يؤخذ؟ المفروض أنه يؤخذ، فحين يقول رسول الله: " اللهم أعط ممسكا تلفا " فاعلم أنه عطاء لا أخذ وإن كان في ظاهره تلفا، والمعنى أن شيئا شغلك وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك، إذن: هو أخذ في الظاهر عطاء في الحقيقة. ثم يبين لنا الحق سبحانه العلة في صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين، فيقول ﴿ ليخرجكم من الظلمات إلى النور.. ﴾ [الأحزاب: 43] فكأن منهج الله بافعل ولا تفعل هو أول صلاة الله علينا لأنه الوسيلة التي تخرجنا من الظلمات إلى النور، وجاء هنا بالشيء الحسي لنقيس عليه المعنوي، فأنت في النور ترى طريقك وتهتدي إلى غايتك بلا معاطب، أما في الظلام فتتخبط خطاك وتضل الطريق في الظلام، تسير على غير هدى، وعلى غير بصيرة، فتحطم الأضعف منك، ويحطمك الأقوى منك.
والنبي صلى الله عليه وسلم يوجهنا حين ننام بالليل أن نطفىء المصابيح فيقول: " وأطفئوا المصابيح إذا رقدتم " وقد أثبت العلم أن للأنوار المضاءة أثناء النوم تأثيرا ضارا على صحة الإنسان، وأنه لا يرتاح في الضوء الراحة التامة لما يصيبه أثناء النوم من إشعاع الضوء، كما حذرونا أيضا من التعرض لأضواء التليفزيون مثلا. إذن: للنور مهمة، وللظلمة مهمة - هذا في الحسيات. كذلك منهج الله بافعل ولا تفعل هو النور المعنوي الذي يقيك العطب، ويمنحك الإشراقات التي تهتدي بها في دروب الحياة، لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ وكان بالمؤمنين رحيما ﴾ [الأحزاب: 43]. لكن إن كان سبحانه رحيما بالمؤمنين، فما بال الكافرين؟ قالوا: هو سبحانه بالكافرين رحمن، فالله تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة لأن رحمن الدنيا يعني أن خيره يعم الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، أما في الآخرة فتتجلى صفة الرحيم لأن رحمته في الآخرة تخص المؤمنين دون غيرهم. والحق سبحانه حين يقول:
الله نور السموات والأرض..
[النور: 35] لا يعني هذا وصفا لذاته سبحانه، إنما يعني أنه سبحانه نور السماوات والأرض أي: منورهما كما نقول: المصباح نور المسجد. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بقول أبي تمام في مدح المعتصم:
إقدام عمرو في سماحة حاتم
في حلم أحنف في ذكاء إياس
وعمرو مضرب المثل عند العرب في الشجاعة، وحاتم في الكرم، وأحنف بن قيس في الحلم، وإياس بن معاوية في الذكاء، فقام إليه أحد الحاضرين وقال له - وكان حاقدا عليه -: أمير المؤمنين فوق ما تقول، أتشبهه بأجلاف العرب؟ وأنشأ يقول:
وشبهه المداح في البأس والندى
بمن لو رآه كان أصغر خادم
ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر
وفي خزانه ألف حاتم
عندها أطرق أبو تمام هنيهة، ثم قال:
لا تنكروا ضربي له من دونه
مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلا من المشكاة والنبراس
إذن: فالنور المعنوي يجنبك العطب المعنوي، كما أن النور الحسي يجنبك العطب الحسي لذلك قال سبحانه عن نوره
نور على نور..
[النور: 35] يعني: نور حسي يقيكم المعاطب الحسية، ونور معنوي يقيكم المعاطب المعنوية