تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين

[التحريم: 10]. ولك أن تسأل: هذا حكم الفاحشة المبينة، أن يضاعف لها العذاب، فما بال الفاحشة منهن إن كانت غير مبينة؟ قالوا: هذا الحكم خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن حدث من إحداهن ذنب بينها وبين نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها، فإن كان علانية فهو مضاعف لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى سلوكهن، فإن ظهرت منهن فاحشة كان تشجيعا للأخريات، ولم لا وقد جاءت الفاحشة من زوجة النبي. فمضاعفة العذاب - إذن - لأن الفساد تعدى الذات إلى الآخرين، وأحدث قدوة سوء في بيت النبي، فاستحقت مضاعفة العذاب، لأنها آذت شعور رسول الله، ولم تقدر منزلته وفضلت عليه غيره لتأتي معه الفاحشة، وهذا يستوجب أضعاف العذاب، فإن ضاعف لها الله العذاب ضعفين فحسب، فهو رفق بها، ومراعاة لماضيها في زوجية رسول الله. كذلك إن فعلت إحداهن حسنة، فلها أجرها أيضا مضاعفا لأنها فعلت صالحا في ذاتها كأي إنسانه أخرى، ثم أعطت قدوة حسنة، وأسوة طيبة لغيرها. فإن أخذنا في الاعتبار حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

" من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ".

علمنا أن أجر الحسنة لا يضاعف فقط مرتين، إنما بعدد ما أثرت فيه الأسوة، وفرق بين الضعف والضعف. الضعف: ضعف الشيء أي مثله، أما الضعف فهو فقد هذا المثل، فهو أقل. ثم يقول سبحانه: ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ [الأحزاب: 30] يعني: مسألة مضاعفة العذاب أمر يسير، ولن تغني عنكن منزلتكن من رسول الله شيئا، فهذا أمر لا يسألني فيه أحد، ولا أحابي فيه أحدا، ولا بد أن أسير الأمور كما يجب أن تكون، ولا يعارضني فيها أحد، لذلك كثيرا ما تذيل أحكام الحق سبحانه بقوله:

إن الله عزيز حكيم

[البقرة: 220] فالعزة تقتضي أن يكون الحكم ماضيا لا يعدله أحد، ولا يعترض عليه أحد. وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام:

وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

[المائدة: 116-118]. فقوله:

وإن تغفر لهم..

[المائدة: 118] يقتضي أن يقول: فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى

فإنك أنت العزيز الحكيم

[المائدة: 118] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى عليه السلام، وهذا بمقتضى العقل يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يسأل عما يفعل، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، فإن غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، فكأن المنطق أن يسأل الله: لماذا لم تعذب هؤلاء على ما ارتكبوه؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تعارض، والحكمة التي لا تخطىء. وبعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة، وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه المقابل، فقال تعالى: ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٦٠