[الذاريات: 49] يعني: ذكر وأنثى، فالذكر وحده زوج، والأنثى وحدها زوج، وهذه القسمة موجودة في كل المخلوقات. وتجمع زوج أيضا على زوجات. ونلحظ في الأسلوب هنا أن الحق سبحانه حين يعرض على رسوله أن يخير زوجاته بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة يستخدم إن الدالة على الشك، ولا يستخدم مثلا إذا الدالة على التحقيق، وفي هذا إشارة إلى عدم المبالغة في اتهامهن، فالأمر لا يعدو أن يكون خواطر جالت في أذهان بعض زوجاته. وتعلمون أن سيدنا رسول الله جمع من النساء تسعا معا، منهن خمس من قريش، وهن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة ابنة أبي أمية، ومن غير قريش: صفية بنت حيي بن أخطب الذي ذكرنا قصته في الأحزاب، ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية - ومن ذهب عند التنعيم وجد هناك بئر ميمونة، ثم زينب بنت جحش من بني أسد، هؤلاء هن أمهات المؤمنين التسعة اللائي جمعهن رسول الله معا. فلما سألن رسول الله النفقة كانت أجرأهن في ذلك السيدة حفصة بنت عمر، وقد حدث بينها وبين رسول الله مشادة في الكلام، فقال لها: " ألا تحبين أن أستدعي رجلا بيننا؟ " فوافقت، فأرسل إلى عمر، فلما جاء قال لها رسول الله: تكلمي أنت - يعني: اعرضي حاجتك - فقالت: بل تكلم أنت، ولا تقل إلا حقا. أثارت هذه الكلمة حفيظة سيدنا عمر، فهاج وقام إلى ابنته فوجأها، فحجزه رسول الله فتناولها ثانية فوجأها، ثم قال لها: إن رسول الله لا يقول إلا حقا، ووالله لولا أنا في مجلسه ما تركتك حتى تموتي، فقام رسول الله من المجلس ليفض هذا النزاع، وذهب إلى حجرته، واعتكف بها، وقاطع الأمر كله مدة شهر. وتأمل قول الله تعالى: ﴿ إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها.. ﴾ [الأحزاب: 28] فأي وصف أحقر، وأقل لهذه الحياة من أنها دنيا؟ وما فيها من متع إنما هي زينة، يعني: ترف في المظهر، لا في الجوهر، كما قال سبحانه في موضع آخر:
اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد..
[الحديد: 20]. ثم يعرض رسول الله على زوجاته الخيار الثاني المقابل للحياة الدنيا: ﴿ وإن كنتن تردن الله ورسوله... ﴾.