وكان الله قويا عزيزا
[الأحزاب: 25]
وما يعلم جنود ربك إلا هو..
[المدثر: 31]. بعد أن رد الحق سبحانه كفار مكة بغيظهم، وكفى المؤمنين القتال أراد أن يتحول إلى الجبهة الأخرى، جبهة بني قريظة، فلما رجع رسول الله من الأحزاب لقيه جبريل عليه السلام فقال: أوضعت لأمتك يا محمد، ولم تضع الملائكة لأمتها للحرب؟ اذهب فانتصر لنفسك من بني قريظة، فقال رسول الله للقوم:
" من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ".
فاختلف الصحابة حول هذا الأمر: منهم من انصاع له حرفيا، وأسرع إلى بني قريظة ينوي صلاة العصر بها، ومنهم من خاف أن يفوته وقت العصر فصلى ثم ذهب، فلما اجتمعوا عند رسول الله أقر الفريقين، وصوب الرأيين. وكانت هذه المسألة مرجعا من مراجع الاجتهاد في الفكر الإسلامي، والعصر حدث، والحدث له زمان، وله مكان، فبعض الصحابة نظر إلى الزمان فرأى الشمس توشك أن تغيب فصلى، وبعضهم نظر إلى المكان فلم يصل إلا في بني قريظة لذلك أقر رسول الله هذا وهذا. وينبغي على المسلم أن يحذر تأخير الصلاة عن وقتها لأن العصر مثلا وقته حين يصير ظل كل شيء مثليه وينتهي بالمغرب، وهذا لا يعني أن تؤخر العصر لآخر وقته، صحيح إن صليت آخر الوقت لا شيء عليك، لكن من يضمن لك أن تعيش لآخر الوقت. إذن أنت لا تأثم إن صليت آخر الوقت، لكن تأثم في آخر لحظة من حياتك حين يحضرك الموت وأنت لم تصل لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير الأعمال الصلاة لوقتها " فليس معنى امتداد الوقت إباحة أن تؤخر. وفي مسألة الأحزاب بطولة أخرى لسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد ظهرت هذه البطولة عندما وجد الكفار في الخندقة نقطة ضعيفة، استطاعوا أن يجترئوا على المسلمين منها، وأن يقذفوا منها خيولهم، فلما قذفوا بخيولهم إلى الناحية الأخرى، فجالت الخيل في السبخة بين الخندق وجبل سلع، ووقف واحد من الكفار وهو عمرو بن ود العامري وهو يؤمئذ أشجع العرب وأقواها حتى عدوه في المعارك بألف فارس.
" وقف عمرو بن ود أمام معسكر المسلمين يقول وهو مشهر سيفه: من يبارز؟ فقال علي لرسول الله: أبارزه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: " اجلس يا علي، إنه عمرو " فأعاد عمرو: أين جنتكم التي وعدتم بها من قتل في هذا السبيل؟ أجيبوني. فقال علي: أبارزه يا رسول الله؟ قال: " اجلس يا علي، إنه عمرو " وفي الثالثة قال عمرو: *ولقد بححت من النداء * بجمعكم هل من مبارز* *ووقفت إذ جبن المشجع * موقف القرن المناجز* *إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز* عندها انتفض علي رضي الله عنه وقال: أنا له يا رسول الله، فأذن له رسول الله، فأشار علي لعمرو، وقال: *لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز* *ذو نية وبصيرة * والصدق منجي كل فائز* *إني لأرجو أن أقيم * عليك نائحة الجنائز* *من ضربة نجلاء * يبقى ذكرها عند الهزاهز* أي: الحروب. وكانت لسيدنا رسول الله درع سابغة اسمها ذات الفضول، فألبسها رسول الله عليا وأعطاه سيفه ذا الفقار وعمامته السحاب، وكانت تسعة أكوار، وخرج علي رضي الله عنه لمبارزة عمرو بن ود، فضرب عمرو الدرقة فشقها، فعاجله على بضربة سيف على عاتقه أردته قتيلا، فقال علي ساعة وقع: الله أكبر سمعه رسول الله فقال: " قتل عدو الله ". ثم حدثت زوبعة العثير - وهو غبار الحرب - فحجبت المعركة، فذهب سيدنا عمر رضي الله عنه ليرى ما حدث، فوجد عليا يمسح سيفه في درع عمرو بن ود، فقال: الله أكبر، فقال رسول الله: " قتل وأيم الله ". ومن الأخلاق الكريمة التي سجلها سيدنا علي في هذه الحادثة أنه بعد أن قتل عمرا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا سلبت درعه، فإنه أفخر درع في العرب "؟ فقال علي: والله لقد بانت سوأته، فاستحييت أن أصنع ذلك. ثم أنشد رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وهو يشير إلى عمرو: *نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصوابي* *فصددت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي* وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقنطر بزني أثوابي* وفي هذه الواقعة قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو لم يكن لك يا علي غيرها في الإسلام لكفتك " ".