تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لذلك قال العارفون بالله كأن عليا رضي الله عنه حسد حين قتل عمرو بن ود، فأصابته العين في ذاته، فقتل بسيف ابن ملجم، ومن هنا قالوا: أعز ضربة في الإسلام ضربة علي لعمرو بن ود، وأشأم ضربة في الإسلام ضربة ابن ملجم لعلي. وفي المعركة بطولة أخرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه حيث يقول: ضربني يوم الأحزاب حبان بن قيس بن العرقة، وقال: خذها وأنا ابن العرقة - فقلت: عرق الله وجهك في النار، فلما أصابني في أكحلي - والأكحل هو: العرق الذي نضع فيه الحقنة، ومنه يخرج دم الفصد والحجامة. فقلت: اللهم إن كانت هذه آخر موقعة بيننا وبين قريش فاجعلني شهيدا، وإن كنت تعلم أنهم يعودون فأبقني لأشفي نفسي ممن أخرج رسول الله وآذاه، ولا تمتني حتى أشفى غليلي من بني قريظة. وقد كان، فبعد أن مكث الأحزاب وبنو قريظة قرابة خمسة وعشرين يوما دون قتال، وانتهى الأمر بالمفاوضات اختار سيدنا رسول الله سعد بن معاذ ليكون حكما في هذه المسألة، فحكم سعد بقتل المقاتلين منهم، وأسر الذراري والنساء والأموال، فلما بلغ هذا الحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" لقد حكمت فيهم حكم ربك من فوق سبع سماوات ".

ثم ثار الجرح على سيدنا سعد حتى مات به، فحملوه إلى خيمة رسول الله بالمسجد، فجاءت الملائكة تقول لرسول الله: من هذا الذي مات، وقد اهتز له عرش الرحمن؟ قال: " إنه سعد بن معاذ ". وقد قال تعالى:

فريقا تقتلون وتأسرون فريقا

[الأحزاب: 26]. وفي قوله تعالى: ﴿ وأرضا لم تطئوها.. ﴾ [الأحزاب: 27] بشارة للمسلمين بأن البلاد ستفتح لهم دون قتال، وهذا حال جمهرة البلاد التي دخلها الإسلام، فغالبية هذه البلاد فتحت بالأسوة السلوكية للمسلمين آنذاك، وبذلك نستطيع أن نرد على من يقول: إن الإسلام انتشر بحد السيف. وإذا كان الإسلام انتشر بحد السيف، فأي سيف حمل المسلمين الأوائل على الإسلام وكانوا من ضعاف القوم لا يستطيعون حتى حماية أنفسهم؟ إذن: لا شيء إلا قدوة السلوك التي حملت كل هؤلاء على الإيمان. وسبق أن ذكرنا أن عمر - رضي الله عنه - وما أدراك ما عمر قوة وصلابة يقول حين سمع قول الله تعالى:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. قال: أي جمع هذا، ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ مما يراه من ضعف المسلمين وبطش الكافرين. ثم لو انتشر الإسلام بالسيف لأصبح سكان البلاد التي دخلها الإسلام كلهم مسلمين، ولما كانت للجزية وجود في الفقه الإسلامي، إذن: بقاء الجزية على من لم يؤمن دليل على بطلان هذه المقولة، ودليل على عدم الإكراه في الدين، فالفتح الإسلامي كفل حرية العقيدة

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..

[الكهف: 29] وعليه الجزية لبيت مال المسلمين مقابل ما تقدمه الدولية إليه من خدمات. فالجزية التي تتخذونها سبة في الإسلام دليل على أن الإسلام أقركم على دينكم، إنما حمل السيف كان فقط لحماية الاختيار في الدعوة، فأنا سأعرض الإسلام على الناس، ومن حقي أن أقاتل من يعارضني بالسلاح، من حقي أن أعرض الإسلام كمبدأ، فمن آمن به فعلى العين والرأس، ومن لم يؤمن فليبق في ذمتنا. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول سبحانه: ﴿ يأيها النبي قل لأزواجك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٥٦