تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يجند حتى الباطل لخدمة الحق، فنحن لم يسبق لنا أن رأينا خندقا ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة، لكن ساقها الله لنا، وجعلها جندا من جنوده على يد هذا الصحابي الجليل، لنعلم كما قال تعالى

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..

[الأنفال: 24]. وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الأطفال بعد النبوءة التي سمعها، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء، وهو في صندوقه، ولا يخفى على أحد أن أهله قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون، ومع ذلك حال الله بين فرعون وبين ما في قلبه، فأخذ الولد ورباه في بيته. وقد أحسن الشاعر الذي عبر عن هذا المعنى، فقال:

إذا لم تصادف في بنيك عناية

فقد كذب الراجي وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر

وموسى الذي رباه فرعون مرسل

البطل الثاني في هذه المعركة رجل يدعى نعيم بن مسعود الأشجعي، جاء لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام، ولا أحد يعلم ذلك من قومي، فقال له رسول الله: " وما تغني أنت؟ ولكن خذل عنا " أي: ادفع عنا القوم بأي طريقة، أبعدهم عنا، أو ضللهم عن طريقنا، أو قل لهم أننا كثير ليرهبونا.. إلخ. هذا رجل كان بالأمس كافرا، فماذا فعل الإيمان في قلبه، وهو حديث عهد به؟ نظر نعيم، فرأى قريشا وأتباعها يأتون من أسفل، وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى، فأراد أن يدخل بالدسيسة بينهما، فذهب لأبي سفيان، وقال: يا أبا سفيان، أنا صديقكم، وأنتم تعلمون مفارقتي لدين محمد، ولكني سمعت همسا أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع محمد، وقالوا: إن قريشا وأحلافهم ليسوا مقيمين في المدينة مثلنا، فإن صادفوا نصرا ينتصرون، وإن صادفوا هزيمة فروا إلى بلادهم، ثم يتركون بني قريظة لمحمد لذلك قرروا ألا يقاتلوا معكم إلا أن تعطوهم عشرة من كبرائكم ليكونوا رهائن عندهم. سمع أبو سفيان هذا الكلام، فذهب إلى قومه فقال لهم: أنتم المقيمون هنا، وليس هذا موطن بني قريظة، وسوف يتركونكم لمواجهة محمد وحدكم، فإن أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد، فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم. بعدها ذهب أبو سفيان ليكلم بني قريظة في هذه المسألة، فقال: هلك الخف والحافر - يعني: الإبل والخيل - ولسنا بدار مقام لنا، فهيا بنا نناجز محمدا - هذا بعد أن مكثوا نيفا وعشرين يوما يعدون ويتشاورون - فقالوا له: هذا يوم السبت، ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل حال نحن لن نشترك معكم في قتال، إلا أن تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا، ساعتها علم أبو سفيان أن كلام نعيم الأشجعي صدق، فجمع قومه وقال لهم: الأرض ليست أرض مقام لنا، وقد هلك الخف والحافر، فهيا بنا ننجو.

قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء نعيم بن مسعود، وأخبر رسول الله بما حدث، ووجد رسول الله الجو هادئا، فقال: " ألا رجل منكم يذهب فيحدثنا الآن عنهم، وهو رفيقي في الجنة؟ " والمراد: أن يندس بين صفوف الأعداء ليعلم أخبارهم. ومع هذه البشارة التي بشر بها سيدنا رسول الله من يؤدي هذه المهمة، لم يقم من الحاضرين أحد، ودل هذا على أن الهول ساعتها كان شديدا، والخطر كان عظيما، وكان القوم في حال من الجهد والجوع والخوف، جعلهم يتخاذلون عن القيام، فلم يأنس أحد منهم قوة في نفسه يؤدي بها هذه المهمة. لذلك كلف رسول الله رجلا يدعى حذيفة بن اليمان بهذه المهمة قال حذيفة: ولكن رسول الله قال لي: لا تحدث أمرا حتى ترجع إلي، فلما ذهبت وتسللت ليلا جلست بين القوم، فجاء أبو سفيان بالنبأ من بني قريظة، يريد أن يرحل بمن معه، فقال: ليتعرف كل واحد منكم على جليسة، مخافة أن يكون بين القوم غريب. وهنا تظهر لباقة حذيفة وحسن تصرفه - قال: فأسرعت وقلت لمن على يميني: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، وقلت لمن على يساري: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، وسمعت أبا سفيان يقول للقوم: هلك الخف والحافر، وليست الأرض دار مقام فهيا بنا، وأنا أولكم، وركب راحلته وهي معقولة من شدة تسرعه، قال حذيفة: فهممت أن أقتله، فأخرجت قوسي ووترتها وجعلت السهم في كبدها، لكني تذكرت قول رسول الله " لا تحدثن شيئا حتى تأتيني " فلم أشأ أن أقتله، فلما ذهبت إلى رسول الله وجدته يصلي، فلما أحس بي فرج بين رجليه - وكان الجو شديد البرودة - فدخلت بين رجليه فنثر علي مرطه ليدفئني، فلما سلم قال لي: ما خطبك فقصصت عليه قصتي. وبعد أن جند الحق سبحانه كلا من نعيم الأشجعي وحذيفة لنصرة الحق، جاءت جنود أخرى لم يروها، وكانت هذه الليلة باردة، شديدة الرياح، وهبت عاصفة اقتلعت خيامهم، وكفأت قدورهم وشردتهم، ففر من بقي منهم. وهذا معنى قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٥٤