" كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ".
ثم يخص بالذكر هنا نوحا لأنه الأب الثاني للبشر، ثم إبراهيم وموسى وعيسى، فإبراهيم، لأن العرب كانت تؤمن به، وتعلم أنه أبو الأنبياء، وتقدر علاقته بالكعبة ورفع قواعدها، وأنه قدوة في مسألة الذبح والسعي وغيرها. وموسى وعيسى لأن اليهودية والمسيحية ديانتان معاصرتان لدعوة رسول الله، حيث كان اليهود في المدينة، والنصارى في نجران، وهما أهل الكتاب الذين كان بينهم وبين رسول الله مواقف شتى، وكانت لهم في الجزيرة العربية السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة العمرانية والسيادة الحربية، وكأنهم هم أصحاب هذه البلاد. ومن العجيب أن هؤلاء كان الله سبحانه - في ميثاقهم مع أنبيائهم - يدخرهم ليشهدوا لمحمد بصدق دعوته لذلك كانوا يستفحتون بمحمد على الذين كفروا ويقولون لعبدة الأصنام: لقد أطل زمان نبي سنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فكانوا يعرفون زمان رسول الله وموطنه، وأنه سيبعث في أرض ذات نخل، ومن صفاتها كذا وكذا، لذلك لما قطعهم الله في الأرض أمما وشتتهم، جاء المشتغلون منهم بالعلم إلى يثرب ينتظرون بعثته صلى الله عليه وسلم. لذلك يقول تعالى:
ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب
[الرعد: 43]. إذن: فأهل الكتاب كان من المفترض فيهم أن يشهدوا لرسول الله بصدق الرسالة، لكن يحكي القرآن عنهم بعد هذا كله:
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
[البقرة: 89]. فكيف إذن تم هذا التحول؟ وكيف تنقلب عقيدة القلب إلى تمرد القالب؟ قالوا: إنها السلطة الزمنية التي أحبوا أن تبقى، وأن تدوم لهم. فقد بعث الرسول وهم أهل مال وتجارة وأهل حرف وعمارة، وخافوا من رسول الله ومن الدين الجديد أن يسلبهم هذه المكانة، وأن يقضي على هذه السيادة، لذلك قال القرآن عنهم:
بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين
[البقرة: 90]. لهذا خص بالذكر هنا موكب الأنبياء موسى وعيسى عليهما السلام. ونلحظ أن السياق ذكر موسى عليه السلام، ولم يذكر له أبا، أما في عيسى عليه السلام فقال: ﴿ وعيسى ابن مريم.. ﴾ [الأحزاب: 7] وهذا دليل على أنه يؤكد الأصالة في الإنجاب، فالأب هو الأصل إن وجد مع الزوجة، فإن لم يوجد الأب فالأبوة للزوجة لذلك نسب عليه السلام إلى أمه. وجاءت هذه المسألة لتبرهن على طلاقة القدرة الإلهية، فمسألة الخلق ليست عملية ميكانيكية تخضع لقانون، إنما هي قدرة الله التي خلقت آدم بدون أب ولا أم، وخلقت حواء من أب دون أم، وخلقت عيسى عليه السلام من أم بدون أب، وخلقت سائر الخلق من أب وأم، وهكذا استوفى الخلق القسمة العقلية في كل صورها. وقوله تعالى: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ [الأحزاب: 7] أي: من الأنبياء، والميثاق الغليظ أي المؤكد، فقد وسعه الله وأكده حينما أخبر أنبياءه ورسله أنهم سيضطهدون وسيحاربون من أممهم. لذلك لم يوصف الميثاق بأنه غليظ إلا في هذا الموضوع، وفي علاقة الرجل بالمرأة حين يطلقها، وقد فرض لها مهرا، فينبغي أن يؤديه إليها، ولو كان قنطارا، يقول سبحانه:
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا
[النساء: 21]. فسمى الميثاق بين الزوجين ميثاقا غليظا أي: قويا ومتينا لأنه في العرض، ولم يوصف الميثاق فيما دون ذلك بأنه غليظ. وهذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الرسل المذكرين المبشرين المنذرين جاء تفصيله في قوله تعالى:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين