تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا..

[الأحزاب: 53] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائما ضغائن وأحقاد. فالرجل يطلق زوجته ويكون كارها لها، لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره من يتزوجها، وهذه كلها أمور لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت زوجة لرسول الله أن تكون فراشا لغيره أبدا لذلك جعلهن الله أمهات للمؤمنين جميعا، وهذه الحرمة لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمن كانت لها بنت فلتتزوج بمن تشاء. إذن: لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويقدره قدره أن يخلفه على امرأته. لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حد معين، فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أن يحدد العدد في هذه المسألة، فأمر أن يمسك الرجل أربعا منهن، ثم يفارق الباقين، بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع.

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمسك تسعا من الزوجات، وهذه المسألة أخذها المستشرقون مأخذا على رسول الله وعلى شرع الله، كذلك من لف لفهم من المسلمين. ونقول لهؤلاء: أنتم أغبياء، ومن لف لفكم غبي مثلكم لأن هذا الاستثناء لرسول الله جاء من قول الله تعالى له:

لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج..

[الأحزاب: 52]. يعني: إن ماتت إحداهن لا تتزوج غيرها، حتى لو متن جميعا لا يحل لك الزواج بغيرهن، في حين أن غيره من أمته له أن يتزوج بدل إحدى زوجاته، إن ماتت، أو إن طلقها، وله أن يطلق منهن من يشاء ويتزوج من يشاء، شريطة ألا يجمع منهن أكثر من أربع، فعلى من ضيق هذا الحكم؟ على رسول الله؟ أم على أمته؟ إذن: لا تظلموا رسول الله. ثم ينبغي على هؤلاء أن يفرقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، فكون رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعداهن إلى غيرهن، فالاستثناء هنا في المعدود، فلو انتهى هذا المعدود لا يحل له غيره، ولو كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون. ومن ناحية أخرى: حين يمسك الرجل أربعا، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أن يتزوجن بغيره، لكن كيف بزوجاته صلى الله عليه وسلم إن طلق خمسا منهن، وهن أمهات المؤمنين، ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن؟ إذن: الخير والصلاح في أن تبقى زوجات الرسول في عصمته. وما دام ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. ﴾ [الأحزاب: 6] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أولى برسول الله من نفسه، ليردوا له هذه التحية، بحيث إذا أمرهم أطاعوه. ثم يقول تعالى: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ﴾ [الأحزاب: 6]. كلمة ﴿ وأولو الأرحام ﴾ مأخوذة من الرحم، وهو مكان الجنين في بطن أمه، والمراد الأقارب، وجعلهم الله أولى ببعض لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج. فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أن يطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذا لون من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه، إلا مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار. وحين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أن يرث المهاجر أخاه الأنصارى، فلما أعز الله الإسلام، ووجد المهاجرون سبيلا للعيش أراد الحق سبحانه أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم تعد هناك ضرورة لأن يرث المهاجر أخاه الأنصاري.

فقررت الآيات أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث، فقال سبحانه: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين.. ﴾ [الأحزاب: 6] فقد استقرت أمور المهاجرين، وعرف كل منهم طريقه ورتب أموره، والأرحام في هذه الحالة أولى بهذا الميراث. وقوله تعالى: ﴿ وأولو الأرحام.. ﴾ [الأحزاب: 6] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أن يحفظ بضعة اللقاء حتى من آدم عليه السلام لأنك حين تتأمل مسألة خلق الإنسان تجد أننا جميعا من آدم، لا من آدم وحواء. يروى أن الحاجب دخل على معاوية، فقال له: رجل بالباب يقول: إنه أخوك، فقال معاوية: كيف لا تعرف إخوتي، وأنت حاجبي؟ قال: هكذا قال، قال: أدخله، فلما دخل الرجل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم، فقال معاوية: نعم، رحم مقطوعة، والله لأكونن أول من يصلها. وقوله تعالى: ﴿ إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا.. ﴾ [الأحزاب: 6] الحق سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحا، فمن حضر منهم قسمة فليكن له منها نصيب على سبيل التطوع، كما جاء في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣٣