تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أحس رسول الله بشيء في نفسه، وتردد في هذا الزواج مخافة أن يقول الناس، إن محمدا أوعز إلى زيد أن يطلق زينب ليتزوجها هو، كما يقول بعض المستشرقين الآن، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يضمر حب زينب في نفسه، وهذا كلها افتراءات على رسول الله، فالذي يحب امرأة لا يسعى جاهدا لأن تتزوج من غيره، وحين يريد زوجها أن يطلقها لا يقول له: أمسك عليك زوجك. ثم لا ينبغي لأحد أن يخوض فيما أخفاه رسول الله في نفسه، من أنه عاشق أو محب، لكن انظر فيما أبداه الله، فالذي أبداه الله هو الذي يخفيه رسول الله، واقرأ:

وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه

[الأحزاب: 37]. إذن: الذي كان يخفيه رسول الله هو أنه يخاف أن تتكلم به العرب، وأن تقول فيه ما لا يليق به في هذه المسألة. ويقول تعالى:

فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها

[الأحزاب: 37] لماذا؟

لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم..

[الأحزاب: 37]. وهكذا قرر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول الله. والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة، تقوض بناء الأسرة، وتهدم كيانها، تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع الحقوق، فالولد المتبني يعيش في الأسرة كابنها، تعامله الأم على أنه ابنها، وهو غريب عنها، كذلك البنت تعامله على أنه أخوها، وهو ليس كذلك، وفي هذا من الفساد ما لا يخفى على أحد. وأيضا، فكيف يكون الأب الذي جعله الله سببا مباشرا لوجودك وتأتي أنت لترد هذه السببية، وتنقلها إلى غير صاحبها، وأنت حين تنكر النبوة السببية في أبيك فمن السهل عليك - إذن - أن تنكر المسبب الذي خلق أولا، ولم لا وقد تجرأت على إنكار الجميل. وكذلك الذي ينكر البنوة السببية يتجرأ على أن ينسب الأشياء إلى غير أهلها، فينسب العبادة لغير مستحقها، وينسب الخلق لغير الخالق. وإلا، فلماذا يحثنا الحق دائما على بر الوالدين؟ ولماذا قرن بين عبادته سبحانه وبين الإحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من كتابه العزيز، فقال سبحانه:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا

[النساء: 36] وقال:

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا

[الإسراء: 23]. قالوا: لأن الأب هو سبب الوجود المباشر، فإذا لم تبره، وأنكرت أبوته وتمردت عليها، فلعلك تتمرد أيضا على سبب الوجود الأصلي، فالوالدان لهما حق البر والإحسان، حتى لو كانا كافرين. لذلك، لما سئل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، أيزني المؤمن، قال: نعم، أيكذب المؤمن؟ قال: لا؟. فالشرع حين يضع للجريمة حدا وعقوبة، فهذا إيذان بأنها ستحدث في المجتمع المسلم، أما الكذب فلم يضع له الشارع حدا، مع أنه أشد من السرقة، وأعظم من الزنى، لماذا؟ قالوا: لأن المؤمن لا يتصور منه الكذب، ولا يجترئ هو عليه لأنه إن عرف عنه الكذب وقال أمامك: أشهد أن لا إله إلا الله يمكنك أن تقول له: أنت كاذب.

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلكم.. ﴾ [الأحزاب: 4] أي: ما تقدم من جعل الزوجة أما، أو جعل الدعي ابنا، فالزوجة لا تكون أبدا أما لأن الأم هي التي ولدت، كذلك لا يكون للولد إلا أب واحد ﴿ ذلكم قولكم بأفواهكم.. ﴾ [الأحزاب: 4] وهل يكون القول إلا بالأفواه؟ فماذا أضافت الأفواه هنا؟ قالوا: نعم، القول بالفم، لكن أصله في الفؤاد، وما اللسان إلا دليل على ما في الفؤاد، كما قال الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

إذن: لا بد أن يكون الكلام نسبة في القلب، منها تأتي النسبة الكلامية، فهل ما تقولونه له واقع، هل الزوجة تكون أما؟ وهل الولد الدعي يكون ابنا. فهذا كلام من مجرد الأفواه، لا رصيد له في القلب ولا في الواقع، فهو - إذن - باطل، أما الحق فما يقوله الحق سبحانه ﴿ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4] والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقا للكائن الواقع. فالإنسان قد يتكلم بكلام استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده، وهو كلام غير صحيح، فحين يخبر بهذا الكلام لا يسمى كاذبا لأنه أخبر على وفق اعتقاده، مع أن الخبر كاذب، فهناك فرق بين كذب الخبر، وكذب المخبر. فالحق سبحانه يعاملنا في الأمر المعتقد في القلب: إن كان له واقع، فهو صدق في الخبر، وصدق في المخبر، وإن كان المعتقد لا واقع له فهو كذب في الخبر، وصدق في المخبر. إذن: الأمر المعتقد يكون حقا، إن كان له واقع، ويكون كاذبا إن لم يكن له واقع، فإذا لم يكن هناك اعتقاد في القلب أصلا فهو مجرد كلام بالفم، وهذا أقل مرتبة من القول الذي تعتقده وهو غير واقع. فمعنى ﴿ والله يقول الحق ﴾ [الأحزاب: 4] أي: الواقع الذي يجب أن يعتقد، والإعجاز هنا ليس في أن الله تعالى يقول الحق الواقع بالفعل، إنما ويخبر بالشيء فيقع في المستقبل على وفق ما أخبر سبحانه. واقرأ قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢٩