تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..

[النحل: 126] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة لأنك لا تستطيع أبدا تقرير هذه المثلية، ولا تضمن أبدا إذا عاقبت أن تعاقب بالمثل، ولا تعتدي لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة، لكي لا تدخل نفسك في متاهة اعتداء جديد، يوجب القصاص منك. وسبق أن حكينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلا من لحمه، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي، وذكر ما كان بينهما من شروط، فأقره القاضي على شرطه، لكن ألهمه الله أن يقول للمرابي: نعم خذ رطلا من لحمه، لكن بضربة واحدة، فإن زدت عنها أو نقصت وفيناها من لحمك أنت، عندها تراجع المرابي، وتنازل عن شرطه. إذن: أجاز لك الشرع القصاص بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ، ثم يفتح لك الحق سبحانه باب العفو والصفح في المرحلة الثانية:

وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم

[التغابن: 14]. ثم يفسرها بحيثية أخرى، فيقول سبحانه:

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

[آل عمران: 134]. ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالا غضبيا ينتج عنه رد فعل انتقامي، وجعلت غضبي في قلبي، وكظمته في نفسي، وهذه المرحلة الأولى، أما الثانية فتخرج ما في نفسك من غيظ وغضب وتتسامح وتعفو.

ثم المرحلة الثالثة أن ترتقي إلى مرتبة الإحسان، فتحسن إلى من أساء إليك، وهذه رحمة، والرحمة أن يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه، فإن كان الأمر بعكس ذلك فلا تسمى رحمة، كأن يميل العبد بإحسان إلى سيده. هذه صور أتت فيها الرحمة بعد المغفرة، وهذا هو الأصل في المسألة، وقد تأتي الرحمة قبل المغفرة، كأن تمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مكره على ذلك، وليس عليه أمارات الإجرام، فيرق له قلبك، وتمتد يدك إليه بالمساعدة، ثم تطلق سراحه، وتعفو عنه، فالرحمة هنا أولا وتبعتها المغفرة. بعد ذلك لقائل أن يقول: ما موقف زيد بعد أن أبطل الله تعالى التبني، فصار زيد بن حارثة بعد أن كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أن سلب هذه النعمة وحرم هذا الشرف؟ أضف إلى ذلك ما يلاقيه من عنت المرجفين، وألسنة الذين يوغرون صدره، ويوقعون بينه وبين رسول الله، وهو الذي اختاره على أبيه. لا شك أن الجرعة الإيمانية التي تسلح بها زيد جعلته فوق هذا كله، فقد تشرب قلبه حب رسول الله، ووقر في نفسه قوله تعالى:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..

[الأحزاب: 36]. ثم تأتي الآيات لتوضح للناس: لستم أحن على زيد من محمد، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين جميعا من أنفسهم، لا بزيد وحده. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣١