تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ما كان لنبي يلبس لامة الحرب... ".

وحدث ما حدث في أحد ولم ينتصر المسلمون، أما أبو بكر رضي الله عنه - فلم يستمع لمشورة المسلمين في حرب الردة وصمم عليها، وقال: والله لأقاتلنهم ولو بالذر يعني: بالحصى، وانتصر الصديق، وإليه يرجع الفضل في إنقاذ دين الله من فتنة كادت تذهب به. إذن: فاجعلوا من اختيار الله لرسوله صلى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم مرجحا، فيأخذ منكم جميع الآراء، ويستشيركم، ثم ينفذ هو ما يراه مناسبا. وهنا فرق بين الكافرين والمنافقين، ولدينا بعض المصطلحات التي ينبغي أن نكون على علم بمدلولها: الإيمان والكفر والنفاق والجحد. الإيمان: الإنسان منا له قلب يحمل النوايا، وله قالب يعبر عنها، كما قال الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا

فالإيمان هو الحق الذي يعتقده القلب، ويقتنع به، ويوافقه اللسان والقالب، أما إن وافق اللسان القلب في الباطل فهذا هو الكفر. لذلك قلنا: إن الكافر منطقي مع نفسه لأنه نطق بما في قلبه، لكنه غير منطقي مع الحق لأنه جحده بقلبه وجحده بلسانه، فليس عنده اختلاف بين القلب واللسان.

أما النفاق فهو أن يعتقد القلب الكفر ويضمره، ويعلن اللسان كلمة الإيمان، فالمنافق يخالف لسانه قلبه، فهو غير منطقي لا مع الحق ولا مع نفسه لذلك كان المنافق في الدرك الأسفل من النار، لأنه أشر من الكافر. لذلك لما طلب سيدنا رسول الله من القوم أن يقولوا: لا إله إلا الله قالتها القلة المؤمنة، وامتنعت الكثرة الكافرة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها، وإلا لقالوها من بداية الأمر، وانتهت المواجهة بين الإيمان والكفر، فعدم نطقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها. أما الجاحد فعلى النقيض من المنافق، فهو مقتنع في نفسه، لكنه لا يقدر على النطق بما يقتنع به من الحق لذلك يقول تعالى عنهم:

وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا..

[النمل: 14]. ولما طال الجدل بينهم وبين رسول الله قالوا:

اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم

[الأنفال: 32] بدل أن يقولوا: فاهدنا إليه. وبعد أن قالوا في القرآن أنه سحر، وأنه أساطير الأولين.. إلخ زهق باطلهم، وكشف الله جحودهم، حين حكى قولهم:

وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم

[الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن لا غبار عليه وهو حق، لولا أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولو نزل على عظيم من عظماء مكة أو المدينة لآمنا به، وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن، والقرآن يستوجب أن يؤمنوا أيضا بمحمد. ومعلوم أن الإسلام صاح صيحته الأولى في أذن من؟ في أذن كفار مكة وسادة قريش والجزيرة كلها، وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين العرب جميعا لقيامهم على خدمة الحجيج، ووقوع بلادهم على طرق التجارة بين الشمال والجنوب. إذن: الإسلام لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الأولى، إنما اختار السادة، لكن الله تعالى لم يشأ أن ينتصر الإسلام في مكة لأنه لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال: قوم من قريش تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به العالم كما سادوا الجزيرة. لذلك لما أعلن سيدنا رسول الله دعوته بين قومه أسرعوا إليه يقولون: يا محمد إن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كنت تريد مالا جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا.. فقال قولته المشهورة:

" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ".

فشاء الله أن تكون الصرخة الأولى في أذن السادة أصحاب الكلمة والسلطة في مكة، وأن تكون نصرة الدين في المدينة، لتعلم الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وليست العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢٢