تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونفهم أيضا من قوله تعالى: ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين.. ﴾ [الأحزاب: 1] أن غير الكافرين وغير المنافقين لا يكون لهم أمر يطاع مع أمر رسول الله لأن المؤمن برسول الله يتلقى من رسول الله. لذلك يعد من الخطأ بمكان أن نقول: كيف فعل رسول الله كذا وكذا؟ فنناقشه ونستدرك عليه صلى الله عليه وسلم، وكيف تجعل من نفسك أيها المؤمن ميزانا وحكما يحكم على أفعال الرسول ويضعها في الميزان؟ كمن يناقشون مثلا مسألة تعدد الزوجات، ويصل بهم الحد إلى انتقاد رسول الله، وكأنه يجري له محاكمة. وكيف نعارض رسول الله في هذا، والله تعالى لم يعارضه، ولم يقله من مسألة الرسالة، بل ارتضى الله فعل رسوله وباركه، فلا تجعل من نفسك مقياسا على رسول الله لأن الأصل أنه هو المقياس الذي نقيس عليه أفعالنا، فنسأل: أفعل رسول الله ذلك أم لم يفعل؟ فإن فعل فعلنا. ومن هذا المنطلق سمي الصديق صديقا، فلما حدثوه أن رسول الله يخبر أنه أتى بيت المقدس في ليلة قال: إن كان قال فقد صدق. والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما يبين له طبيعتهم، وحقيقة عدائهم له، فهم غير مخلصين له، وعليه أن يتهم أمرهم إن أمروه ويتهم نهيهم إن نهوه، وكيف يخلصون في أمره أو نهيه، وقد جاء ليصادم سيادتهم، ويكسر جبروتهم وكفرهم؟ وهبهم مخلصين لك لأنك من قريش، ويريدون نصرتك فينقصهم في نصحهم لك العلم والحكمة، فلا يصح إذن أن تقارن بين طاعة الله وطاعة هؤلاء، مهما كانوا مخلصين لك. كما نلحظ أن القوم فعلا طلبوا من رسول الله أشياء، فكأن الله نبهه قبل أن يطلبوا منه إلى ما يطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم، والطاعة فيها مطيع ومطاع، وهم يريدون ان يكونوا مطاعين، ورسول الله طائع ممتثل لأمرهم، لكن كيف تقلب المسألة بهذا الشكل، وما جاء رسول الله إلا ليشرع للناس فيطيعوه، فهو الذي يأمر، وهو الذي يطاع. فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والأعور السلمي وانضم إليهم وفد ثقيف، جاءوا جميعا إلى المدينة واجتمعوا بعبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وقد أمنهم رسول الله فقالوا: يا محمد كف عن آلهتنا: اللات والعزى ومناة، واشهد بأن شفاعتهم تقبل عند الله، ونريد أن تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب، فمتعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ذلك، ونتركك وشأنك مع ربك. فنهاه الله ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين.. ﴾ [الأحزاب: 1] لأنك لا ينبغي أن تتراجع أمامهم في شيء أبدا، وإلا لكنت خاضعا لهذه السيادة المزعومة، ولأعطيتهم الفرصة حين تطاوعهم لأن يقولوا: لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين، وأنت المهدي.

ثم إن هذا الأمر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة وليدة تحتاج إلى مهادنة مع أعدائها، وربما يقول قائل: ولم لم يهادنهم رسول الله حتى يشتد عود الدعوة، فهم سادة القوم وأصحاب الكلمة والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة، ويرفض أن يعتمد رسول الله إلا على الله لذلك قال في الآية بعدها:

وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا

[الأحزاب: 3]. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن الله كان عليما حكيما ﴾ [الأحزاب: 1] فالعلم غير الحكمة، العلم أن تعلم القضايا، أما الحكمة فأن توظف هذه القضايا في أماكنها، فالعلم وحده لا يكفي، فالصفتان متلازمتان متكاملتان، كما في قوله تعالى:

إن خير من استأجرت القوي الأمين

[القصص: 26]. فالقوي إن كان خائنا لم تنفعك قوته، كذلك إن كان الأمين ضعيفا فلا تنفعك أمانته لذلك لما اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من أهل العراق، يقول: إن استعملت عليهم القوي يفجروه، وإن استعملت عليهم الضعيف يهينوه، فقال له: إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه فجوره، فقال له أمير المؤمنين: ما دمت قد عرفت هذا فلا أولي عليهم غيرك. إذن: فالعلم يعطيك قضايا الخير كله، والحكمة أن تضع الشيء في موضعه، والقضية في مكانها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واتبع ما يوحى إليك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢٣