تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق سبحانه بين لنا على مدى موكب الرسل جميعا أنه ما من رسول إلا كان له أعداء ومعاندون، لكن سنة الله في الرسل أن تكون لهم الغلبة في نهاية الأمر، كما قال سبحانه:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. إذن: فالله تعالى يريد منا الاستقامة على منهجه، وأهل الفساد يريدون الانحراف عن هذا المنهج، واقرأ:

وأن هذا صراطي مستقيما..

[الأنعام: 153] يعني: استقامة على إطلاقها، فمن منكم يرينا فيه التواء أو اعوجاجا؟

فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..

[الأنعام: 153]. فالصراط المستقيم واحد، وسبيل الحق واحد، أما الباطل والفساد فله سبل شتى، وقد نبهنا سيدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه القضية حين خط للصحابة خطا واحدا مستقيما، وعلى جانبيه خطوطا، ثم تلا:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله..

[الأنعام: 153]. وتعلمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فلو خط مهندس طريقا مستقيما بين بلدين مثلا تراه لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة الأخرى عدة كيلو مترات. إذن: الطريق المستقيم هو الذي يسهل لك السفر، ويقرب لك المسافة، أما السبل المتعددة فإنها تهدر مجهودك وتشق عليك، حتى أنت في لغتنا العامية تقول لصاحبك: تعال دغري أو تقول بلاش لف ودوران كذلك يقول لك ربك:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل..

[الأنعام: 153]. وإن كان طريق الحق واحدا، فطرق الضلال متعددة، فواحد فساده من ناحية المال، وواحد من ناحية النساء، وواحد يفسده المنصب والسلطان.. إلخ. فإذا ما جاء رسول من عند الله يكبح جماح هؤلاء لا بد أن يتصادموا معه لذلك ينبه الحق - تبارك وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم: أول مراتب التقوى أن تتقي الله وحده، ثم لا تطع الكافرين والمنافقين لأنهم يريدون أن يأخذوك للشر والله يريدك للخير. وقوله تعالى: ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين.. ﴾ [الأحزاب: 1] تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين فيما لم يأتك فيه أمر من الله لذلك

" نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأي الصحابي الجليل الحباب بن المنذر لما قال له: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل هو الحرب والمكيدة " ، فقال: إذن هذا ليس لك بمنزل ".

وقد أشار سلمان الفارسي على رسول الله بحفر الخندق فأخذ بمشورته، والقاعدة الشرعية تقول: لا اجتهاد مع النص، فإذا لم يكن في المسألة نص فلا مانع من أن تطيع المؤمنين الناصحين لك، المشيرين عليك بالخير. فالحق سبحانه لم يمنع عن رسوله نصح الناصحين، ولم يحرمه مشورة أهل الرأي. وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم: أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ وإجابة هذا السؤال في قوله تعالى:

وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله..

[آل عمران: 159]. فللحاكم أن يسمع المشورة، وأن يقارن بين الآراء ويفاضل بينها، ثم يكون له وحده القرار النهائي

فإذا عزمت..

[آل عمران: 159] أي: أنت وحدك. وفي العالم المعاصر نرى الأنظمة إذا احتاجت إلى أخذ الآراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي به الرئيس، وهذا لا يصح، فالآراء تنير للرئيس الطريق، وتوضح له الصورة، وله هو القرار الأخير لأن الحيثية التي انتخبته من خلالها أنك تشهد له بالتفوق، إذن: فهو الذي يرجح أحد الآراء. وفرق بين المشورة والتفويض، فحين يفوض رئيس الدولة شخصا أو هيئة لدراسة أمر من الأمور، أو اتخاذ قرار، فهي صاحبة الرأي، وحين تعرض عليه ما توصلت إليه يعطيها الموافقة لأنه فوضها في هذا الأمر، إذن: التفويض يجيز لك اتخاذ القرار، أما المشورة فتقف عند عرض الرأي فحسب. والرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يريد الخروج لغزوة أحد، لكن لما شاور صحابته أشاروا عليه بالخروج لما عندهم من العزة والحماس لنصرة دين الله، وظلوا برسول الله حتى استعد للحرب، ولبس لها ملابسها، ثم عادوا إلى رأيه صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج. فقال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢١