تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر "

ولم يقل على سلطان جائر. فقبل أن نفضحه ونشنع عليه يجب أن نتكلم معه، وأن ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير، وتريد أن ترده إلى الجادة فيقبل منك، وعلى الأقل لا يضرك، إنما آفتنا أننا نشنع على المجرم، وربما نحمله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له. لذلك قال العربي في صفات الناس: إن علموا الخير أخفوه، وإن علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا. إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقا لقلبك، وهذه لا تكلفك شيئا، على خلاف التغيير باليد أو باللسان لذلك وصفه رسول الله بأضعف الإيمان، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف. وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف الناس من المجرمين وتملقوهم وتوددوا إليهم ربما لاتقاء شرهم، ولم لا يزداد المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟ لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنما على العاقلة أي: على جميع العائلة لأنها المنوط بها تقويم أبنائها، والأخذ على أيدي المنحرف منهم لأنها هي التي ستتحمل العاقبة، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع.

والحق - سبحانه وتعالى - حين وضع المنهج الذي ينظم حياة الخلق يريد سبحانه الخير لخلقه، وهو سبحانه صاحب الخير ولا ينتفع منه بشيء، فلو أن الخلق جميعا كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملك الله شيئا. ثم هو سبحانه خلق الإنسان، وحدد مهمته في الحياة، ووضع له قانون صيانته فيها، كما أن صانع الآلة يحدد الهدف منها قبل صناعتها، وحدد لها قانون صيانتها، فالذي صنع الغسالة مثلا رأى كيف تتعب المرأة في عملية غسيل الملابس، فصنع هذه الآلة لتقوم بهذه المهمة، ولم يحدث أن صنع صانع آلة، ثم قال: انظروا في أي شيء يمكن أن تستخدم. لذلك، فشل العالم كله يأتي من أن الخلق يريدون أن يحددوا مهمة الإنسان، ويضعوا له قانون صيانته، ويغفلون أنه صنعة الله، والذي يحدد مهمة الصنعة هو صانعها. والحق سبحانه حدد لنا مهمتنا في الحياة قبل أن يستدعينا إليها، واقرأ إن شئت قول ربك:

الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان

[الرحمن: 1-3]. فالحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان وضع له المنهج، وحدد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه الكريم، كما يحدد الصانع مهمة صنعته أولا، فإن حدث في هذه الصنعة عطب فيجب أن ترد إلى الصانع، وإلى قانون الصيانة بافعل ولا تفعل لأنه سبحانه هو الذي خلق، وهو الذي يعلم ما يصلح صنعته ويضمن سلامتها، واقرأ إن شئت:

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. ويقول تعالى:

فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..

[النساء: 59] إذن: فآفة المجتمع البشري أولا: أنه يريد أن يحدد لخلق الله مهمتهم، وأن يتدخل في صنعة ليست صنعته. ثانيا: حين يفسد المجتمع يجعلون له قوانين إصلاحية من عندهم، وهل تركنا الله بدون منهج، وبدون قانون صيانة؟ لقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا إذا حزبه أمر أو عز عليه شيء يهرع إلى ربه، ويقف بين يديه في الصلاة، كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص، فيصلح لك ما فيه من عطب، وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي. أما الحق سبحانه فغيب، فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب، بحيث لا تدري أنت كيف أصلحك، المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك - عز وجل - تعود منشرح الصدر، راضيا طيب النفس. الحق سبحانه يقول لرسوله: ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين.. ﴾ [الأحزاب: 1] لأنهم أهل فساد يمارسونه وينتفعون به لذلك لا بد أن يصادموا الحق، وأن يعترضوا طريقه، وأساس الفساد في الكون أن يحب الإنسان أن يأخذ خير غيره، وأن يكون دمه من عرق الآخرين، فإذا جاء من يعدل هذا الميزان المائل وقفوا له بالمرصاد لأن دعوته تتعارض ومنافعهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٢٠