وهذه هي ميزة الخيرية في هذه الأمة التي قال الله فيها:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله..
[آل عمران: 110]. فإذا انطمس هذا المبدأ في المجتمع أيضا حتى لم يعد فيه آمر بمعروف ولا نآه عن منكر، فلا بد أن تتدخل السماء بإيقاظ جديد برسول جديد، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها وشرفها برسولها أن الله منحها هذه الخيرية، بحيث لا يعدم فيها الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر أبدا لذلك لا يجيء رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها أمة مأمونة. ولا بد للأمة التي توفرت لها هذه المناعة الجماعية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر أن يكون لها وعي إيماني وفهم جيد لهذه المهمة، وقد وردت فيها مذكرة الإيضاح التفسيرية من سيدنا رسول الله حين قال:
" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".
فالمشرع قدر عدم الاستطاعة، فجعل لكل خطوة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر مجالا: متى أغير المنكر بيدي؟ ومتى أغيره بلساني؟ ومتى أغيره بقلبي؟ أغيره بيدي فيمن أملك الولاية عليه، حيث أتمكن من التغيير، فإن كان المنكر ممن لا ولاية لي عليه، فعلى أن أغيره بلساني في ضوء قوله تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..
[النحل: 125] بالأسلوب الحسن الجميل، لكن تجد بعض الدعاة يدعون على غير بصيرة، فيغفلون مسألة الاستطاعة، ولا يجعلون لعدم الاستطاعة مجالا، ويميلون إلى تغيير المنكر كله باليد، وهذا مخالف لأمر رسول الله. فإن توقعت أن يصيبك ضرر فلتغير المنكر بقلبك لأن الهدف أن تستقطب المنحرف إلى جهة الاعتدال، وهذا لا يتم إلا باللين وبالرفق حتى لا تجمع عليه شدتين: الأولى أن تخرجه مما يألف، والثانية: أن تخرجه عما يألفه بما يكرهه. ويخطئ الكثيرون في فهم تغيير المنكر بالقلب فيظنون مثلا أن تقول في نفسك: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك وأنا أنكره، هذا مجرد إنكار باللسان والله لا يريد كلمة تخرج من أفواههم، إنما يريد منا عمل القلب الذي يتبعه عمل الجوارح، فقالبك في هذا الإنكار تابع لقلبك. فحين ترى من استشرى في العصيان والطغيان وأنت لا تقدر على نهيه، لا بيدك ولا بلسانك، ولا تستطيع مواجهته، فعليك أن تكون كارها لعمله معرضا عنه، مهملا له، فلا تجامله في حزن ولا تهنئه في فرح ولا تساعده إن احتاج.. إلخ. عليك أن تعزله عن مجتمعك، فإذا فعل معه الجميع هذا الفعل، وسلكوا معه هذا المسلك سقط واحده وارتدع.
لذلك لم نر النبي صلى الله عليه وسلم صنع سجنا للمسلمين المخالفين، إنما جعل سجنهم في عزل المجتمع الإيماني لهم، أو سجن المجتمع عنهم، لا يكلمهم ولا يتعامل معهم، حتى الزوجة عزلها الشرع عن زوجها لا يقربها حتى يقضي الله في أمره. أتذكرون قصة كعب بن مالك، وكيف عزله المجتمع الإيماني وكان من الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، حتى قاطعه أقرب الناس إليه، فلما تسور الحديقة على ابن عمه وقال: تعلم أني أحب رسول الله فلم يرد عليه. وتأتي زوجة هلال إلى رسول الله وقد كان أحد الثلاثة أيضا، وتقول: يا رسول الله، إن هلالا رجل كبير السن، ليس له ما للرجال في النساء، فقال لها: اخدميه لكن لا يقربنك. وقد ظل هؤلاء في هذه العزلة حتى أن القرآن قال فيهم:
حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه..
[التوبة: 118]. هكذا التزم المسلمون الأوائل بشرع الله، واستطاعوا لا نقول سجن المخالف، إنما سجن المجتمع عنه، وهذه المسألة هي سبب الأزمة التي تعيشها بلدنا الآن، فالمجرم الذي يعيش بيننا، أليس معلوما لأهل المنزل الذي يعيش فيه، بل لأهل الحي والشارع؟ فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر فقال له: أعطني كذا فقال: لا ليس عندي وقاطعه؟ هل سلم واحد منهم على شخص، فلم يرد عليه السلام؟ إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، ويتحمل الإثم عليها لأنه تستر على هؤلاء، لدرجة أن نقول: إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين. وينبغي قبل أن نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: