والذين في أموالهم حق معلوم
[المعارج: 24]. إذن ﴿ يأيها النبي اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] أي: تقوى تناسب مقامك من ربك لأن عطاءات الله سبحانه لا تتناهى، كما أن كمالاته لا تتناهى، لذلك كان سيدنا رسول الله يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ولما سألته السيدة عائشة: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟ قال:
" أفلا أكون عبدا شكورا ".
يعني: العبادة لا تكون لمجرد الثواب والمغفرة، إنما هناك درجات وارتقاءات أخرى. والتقوى: قلنا أن تجعل بينك وبين ما يمكن أن ينشأ منه ضرر لك وقاية، لكن كيف نجعل بيننا وبين ربنا سبحانه وقاية، ومهمة التقوى أن تندمج مع الله في معيته؟ هذا في حق من يتحكم جيدا في نفسه، ويحملها على منهج الله. قالوا: لأن لله تعالى صفات جلال وصفات جمال، ولكل صفة منها مطلوب، فالله تعالى غفور رحيم، وهو أيضا سبحانه القهار الجبار المنتقم، الله سبحانه هو الضار وهو النافع، إذن: فصفات الجمال هي التي تؤتي الإنسان الخير الذي يحبه، وصفات الجلال هي التي تتسلط على من يخالف. فعلى العبد دائما أن يظل خائفا من صفات الجلال راجيا صفات الجمال. إذن: تقوى الله تكون بأن تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية لأنك لست مطيقا لهذه الصفات، ولا تطيق مسة خفيفة من النار، وهي جند من جنود الله فاحذرها. وعرفنا في مسألة الشفاعة أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، وأن الله يشفع بعض المؤمنين، ويشفع الأنبياء والملائكة، ثم بعد ذلك تبقى شفاعة أرحم الراحمين، فكيف يشفع الله عند الله؟ قالوا: أي تشفع صفات الجمال عند صفات الجلال، فحين يذنب العبد ذنبا تتسلط عليه صفات الجلال لتعاقبه، فتتصدى لها صفات الجمال، وتشفع عندها لتسقط ما لها عنده من حق.
ثم يقول سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ ولا تطع الكافرين والمنافقين.. ﴾ [الأحزاب: 1] فهل حين يتقي رسول الله ربه أيطيع الكافرين والمنافقين؟ قالوا: جمع القرآن بين الأمر بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين على الالتزام، تقول: أكرم فلانا وفلانا أيضا، فلم تقل لا تكرم إلا فلانا، إذن: فعطف لا تطع الكافرين والمنافقين على ﴿ اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] بالالتزام. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء جاء على نظام كوني أعده الله تعالى لخلقه، وحين خلق الله الخلق أخذ على الإنسانية كلها بكل أفرادها من آدم إلى أن تقوم الساعة - أخذ عليهم العهد
ألست بربكم قالوا بلى..
[الأعراف: 172] فشهدوا لله تعالى قبل أن تتهيأ لهم المعاصي والشهوات. فإذا أصابت الناس غفلة أو نسوا هذا العهد بعث الله لهم من رسله من يذكرهم لذلك خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:
إنمآ أنت منذر..
[الرعد: 7]. وقال سبحانه عن الرسل:
رسلا مبشرين ومنذرين..
[النساء: 165] يعني: ليسوا منشئين تقوى وطاعة، إنما مذكرون بقضية معلومة سلفا من الأزل، وما هم إلا مبشرين بالثواب لمن أطاع، ومنذرون بالعذاب لمن عصى، والحق سبحانه يريد من عباده أن يكونوا على ذكر دائم لهذه الحقيقة وألا يغفلواعنها. والغفلة تأتي إما من شهوة النفس أو كسلها عن مطلوب شاق للعبادة أو وسوسة من غير مطيع في أذنك، سواء أكان من شياطين الإنس أو من شياطين الجن، كما قال تعالى:
يوحي بعضهم إلى بعض..
[الأنعام: 112]. وقلنا: إن المنحرف يحسد المستقيم على استقامته، لكنه لا يستطيع أن يتحمل تبعات هذه الطاعة، فلا أقل من أن يحاول أن يجذب المستقيم إليه، فيوسوس له ويصرفه عن صفة الكمال التي له لذلك حين يوسوس لك صاحبك بشيء من معصية الله فأول شيء ينبغي أن تفطن إليه أنه يكرهك، ولا يريد لك الخير الذي يعجز هو عن إدراكه، فهو لا يريد لك أن تتميز عليه بشيء. إذن: الكافرون والمنافقون الذي يصادمون دعوة الرسل لم يقدروا على أن يحملوا أنفسهم على منهج الله، ولا أن يلتزموا كما التزم المؤمنون، فلا أقل من أن يحولوا بين المؤمنين وبين المنهج الجديد الذي جاء به رسول الله. وقلنا: إن الرسول لم يأت إلا لضرورة، هي انطماس معالم المنهج عند المرسل إليهم، وانعدام الرادع في النفس البشرية أولا ثم في المجتمع ككل، فالإنسان حين يغفل تذكره النفس اللوامة وترده عن المعصية، فإذا ما ضعف سلطان هذه النفس تحكمت فيه النفس الأمارة بالسوء وصرفته عن الخير كله، فلم يبق له رادع إلا في المجتمع الإيماني الذي يقوم بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.