" من استوى يوماه فهو مغبون "
أي: من استوى يومه مع أمسه في قربه من الله فهو خاسر، لماذا؟ لأنه ينبغي للمؤمن أن يزيد في قربه وفي مودته، وعلاقته بالله يوما بعد يوم لأن نعم الله عليك متوالية تستوجب شكرا متواليا، وحمدا دائما.
كما أن الحق سبحانه لا يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق، إذن: فالتقوى بالنسبة لرسول الله غير التقوى بالنسبة لسائر الخلق، التقوى في حق رسول الله مجالها أوسع، وللرسول مع الله فيوضات لا تنتهي. لذلك حين يناديك ربك للصلاة في كل يوم خمس مرات، فاعلم أن فضله عليك غير مكرر، بل فضله متجدد، فعطاؤه لك في الظهر غير عطائه لك في العصر، غير عطائه لك في المغرب، وهكذا تكون التقوى عملا متواصلا ممتدا. ولذلك يحذرنا أهل الخير أن نداوم مع الله في شيء من الطاعة، ثم نقصر عنها، كذلك يحذرنا الشرع أن ننذر لله ما لا نستطيع الوفاء به، لأنك بالنذر تفرض على نفسك الطاعة، فأجمل بك أن تظل في مقام التطوع، إن خفت نفسك للطاعة أدها، وإن قصرت فلا شيء عليك. وكونك تفرض على نفسك شيئا من الطاعات من جنس ما فرض الله عليك. يعني: أنك أحببت الطاعة وحلت لك العبادة، حتى زدت الله منها، فقلت مثلا: نذرت لله أن أصلي من الركعات كذا، أو أتصدق بكذا من المال لأنك رأيت في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من الله فزدت منها. والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلاة أن نسعى للمسجد، مع أن الأرض كلها مسجد وكلها طهور، لكن المسجد خصص للصلاة، فينبغي أن تؤدى فيه، وأنت في صلاة ما دمت تسعى للصلاة، فمن كان بعيد البيت عن المسجد عليه أن يأتي الصلاة في سكينة ووقار، ولا يخرج عن هذا السمت حتى وإن تأخر عن تكبيرة الإحرام. وقد ورد في حديث سيدنا رسول الله:
" إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ".
وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان: مطلوب الإيمان هو ما فرضه الله عليك، وجاء في الحديث القدسي:
" ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ".
فإن أردت أن تتقرب إلى الله فتقرب إليه بما يحب، ومن جنس ما فرضه عليك، فالله أمرك بصلاة وصيام وزكاة، فإن حلت لك هذه العبادات فزد منها فوق ما فرضه الله عليك، وحين تزيد اعرف أنه مستك نورانية الإشراق في العبادة فقلت: الله يستحق مني فوق ما كلفني، وهذا هو مقام الإحسان. وسبق أن تحدثنا عن هذا المعنى في قوله تعالى:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون
[الذاريات: 15-18]. وهل فرض الله على عبده ألا يهجع إلا قليلا من الليل؟ لا بل لك أن تصلي العشاء، وتنام حتى صلاة الفجر، كذلك في الاستغفار، أما الذي لا يهجع من الليل إلا قليلا ويقوم في السحر للاستغفار، فلا بد أنه حلت له العبادة، وحلا له الوقوف في حضرة ربه - عز وجل - فدخل في مقام الإحسان.
ثم الإحسان نوعان: إحسان كم، وإحسان كيف، إحسان الكم بأن تزيد على ما فرض عليك، فتصلي فوق الفرض وتزكي فوق الفرض، أما إحسان الكيف فبأن تخلص في عبادتك لله، وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك يعني: إذا لم يكن لديك الإشراق والشفافية التي تريك الله، فلا أقل من أن تعبده على أنه يراك. وساعة تدخل في مقام الإحسان فأنت حر إذن فيما تقدم من الإحسان، كما قال سبحانه:
ما على المحسنين من سبيل..
[التوبة: 91] على حسب ما تخف نفسك للطاعة، خفت لخمس ركعات، خفت لعشر، خفت لخمسة بالمائة في الزكاة، خفت لعشرة.. إلخ أنت حر. ألا ترى أن الحق سبحانه لما تكلم عن هذا المقام قال:
وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 19] أما في الزكاة المفروضة فقال: