تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الفرقان: 30]. إذن: في النداء استقل بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، أما في الإخبار فلا بد أن يذكر اسمه محمد رسول الله، وإلا فكيف يعرف أنه رسول الله؟ فيخبر به أولا اسما ومسمى. ونودي صلى الله عليه وسلم بيأيها النبي، ويأيها الرسول تعظيما له صلى الله عليه وسلم، ونحن حين نريد أن نعظم من ننادي نسبق الاسم بمقدمات، نقول: يا سيدي فلان، يا فضيلة الشيخ، يا صاحب العزة.. إلخ. وقد تقدمت أيها على المنادي هنا لأن الاسم المنادى المحلى بأل لا ينادى مباشرة إلا في لفظ الجلالة الله فنقول: يا الله، فكأن الحق سبحانه توحد حتى في النداء، هذا في نداء المفرد. والحق سبحانه نادى رسوله بيأيها النبي، ويأيها الرسول، الرسول هو سفير بين الله وبين خلقه ليبلغهم منهجه الذي يريد أن تسير عليه حياتهم فالرسول مبلغ، أما النبي فمرسل أيضا من قبل الحق سبحانه، لكن ليس معه شرع جديد، إنما يسير على شرع من سبقه من الرسل، أما فهو فقدوة وأسوة سلوكية لقومه. ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الأمرين معا، فهو نبي ورسول له خصوصيات أمر بها، ولم يؤمر بتبليغها - وهذه مسائل خاصة بالنبوة - وله أمور أخرى أمر بها، وأمر بتبليغها. ومعلوم من أقوال العلماء أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول بالمعنى الاصطلاحي، وإلا فهم جميعا مرسلون من قبل الله. وكلمة النبي مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام، فالخبر يكون من البشر للبشر، فإن كان من خالق البشر فهو نبأ أي: أمر عظيم ينبغي الاهتمام به، وأصله من النبوة، وهي الشيء العالي المستدير في وسط شيء مستو.

فحين تقول: رأيت فلانا اليوم، هذا لا يسمى نبأ إنما خبر لذلك قال سبحانه:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم

[النبأ: 1-2] أي: الخبر الهائل الذي هز الدنيا كلها، وملأ الأسماع، وزلزل العروش. ثم يقول سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] سبق أن قلنا: إن الكلام العربي مقسم إلى خبر وإنشاء، فالخبر نسبة كلامية كانت قبل النطق بها نسبة ذهنية، وبعد النطق بها كلامية، فإن كان لها معنى ومدلول فهي نسبة واقعية، والخبر هو القول الذي يوصف بالصدق إن طابق الواقع، ويوصف بالكذب إن خالف. أما الإنشاء فهو مقابل الخبر يعني: قول لا يوصف بصدق ولا بكذب، كأن تقول لإنسان: قف، فهذا أمر لا يقال لقائله: صادق، ولا كاذب. فقوله تعالى لنبيه ﴿ اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] هذه نسبة كلامية من الله لرسوله، ليحدث مدلول هذا الأمر، وهو التقوى، لكن أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير تقي حتى يأمره ربه بالتقوى؟ نقول: ليس بالضرورة أن يكون الرسول عصى، فيأمره الله بتقواه، لكن الحق سبحانه ينشئ مع رسوله كلاما بداية دون سابقة عصيان. أو: أنه الأمر الأول بالتقوى كما تقول لولدك في بداية الدراسة: اجتهد وذاكر دروسك، وأنت تعرف أنه مجتهد، لكن لا بد من تقرير المبدأ في بداية الأمر. ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلاثة: ماض وحال ومستقبل، فإذا طلب من شخص فعل شيء هو مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى:

يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله

[النساء: 136]. فالحق سبحانه يأمرهم بالإيمان، مع أنه وصفهم وخاطبهم بلفظ الإيمان لأن المعنى: أنتم آمنتم قبل أن أكلمكم، وهذا الإيمان السابق لكلامي ماض، وأنا أريد منكم أن تحدثوا إيمانا جديدا، حالا ومستقبلا، أريد أن تجددوا إيمانكم، وأن تستمروا عليه. فمعنى ﴿ يأيها النبي اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] أي: واصل تقواك حالا، كما فعلتها سابقا، وواصلها مستقبلا، فلا تنقطع عنها أبدا. أو: أن تقوى الله أمر يلصق الإنسان بربه، والله كلف بأشياء، ثم أباح لك من جنس التكليف أشياء، فإذا قال الله لرسوله ﴿ اتق الله.. ﴾ [الأحزاب: 1] فهي غير قوله لنا: اتقوا الله، فالأمر لنا نحن بالتقوى، أي: نفذ ما فرض عليك، أما في حق رسول الله فهي بمعنى: ادخل في مقام الإحسان، وجدده دائما لأن مراقي القبول من الله لا تنتهي، كما أن كمالات العطاء في الله لا تنتهي. لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦١٦