30.41
ظهر: بان ووضح. والظهور: أن يبين شيء موجود بالفعل لكنا لا نراه، وما دام الحق سبحانه قال: ﴿ ظهر الفساد.. ﴾ [الروم: 41] فلا بد أن الفساد كان موجودا، لكن أصحاب الفساد عموه وجنوه إلى أن فقس وفرخ في المجتمع. والفساد لا يظهر إنما يظهر أثره، أتذكرون الزلزال الذي حدث والذي كشف الفساد والغش والتدليس بين المقاول والمهندس، وكانت المباني قائمة والفساد مستترا إما لغفلتنا عنه، أو لتواطئنا معه، أو لعدم اهتمامنا بالأشياء إلى أن طمت المسائل، ففضح الله الأرض بالزلزال، ليكشف ما عندنا من فساد. فإذا ازداد الغش، وانتشر وفاق الاحتمال لا بد أن يظهره الله للناس، فلم يعد أحد قادرا على أن يقف في وجه الفساد، أو يمنعه لذلك يتدخل الحق سبحانه، ويفضح أهل الفساد ويذيقهم آثار ما عملت أيديهم. وتأتي ظهر بمعنى " الغلبة " كما في قوله تعالى:
فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين
[الصف: 14] أي غالبين. وفي سورة التحريم:
وإن تظاهرا عليه..
[التحريم: 4]. وبمعنى " العلو " في قوله تعالى:
فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا
[الكهف: 97]. فالمعنى ﴿ ظهر الفساد.. ﴾ [الروم: 41] أي: غلب الصلاح وعلا عليه، والكون خلقه الله تعالى على هيئة الصلاح، وأعده لاستقبال الإنسان إعدادا رائعا، وللتأكد من صدق هذه المسألة انظر في الكون وأجناسه وأفلاكه وأجوائه، فلن ترى فسادا إلا فيما تتناوله يد الإنسان. أما ما لا تتناوله يد الإنسان، فلا ترى فيه خللا لأن الله خلقه منسجم الأجناس منسجم التكوين:
لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون
[يس: 40]. فهل خلقنا الحق سبحانه وخلق اختيارنا لنفسد في الكون؟ لا، إنما هو ابتلاء الاختيار حين ينزل عليك المنهج ويجعله قانونا لحركتك بافعل ولا تفعل، وما لم أقل فيه افعل أو لا تفعل فأنت حر فيه، فلا يحدث من الفعل أو من عدمه ضرر في الكون، أما أنا فقد قلت افعل في الذي يحصل منه ضرر بعدم فعله، وقلت لا تفعل في الذي يحصل ضرر من فعله. فالفساد يأتي حين تدخل يدك في شيء وأنت تطرح قانون الله في افعل ولا تفعل، أما الصلاح فموجود وفيه مناعة يكافح بها الفساد، فإن علا تيار الفساد وظهر على الصلاح وغلبه بان للناس. وعندها ينبهنا الحق سبحانه بالأحداث تطرقنا وتقول لنا: انظروا إلى من خالف منهج الله ماذا حدث له لذلك في أعقاب الأحداث نزداد عشقا لله، وحبا لطاعته، وترى الناس تمشي على العجين متلخبطه، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال والغفلة، على حد قول الشاعر:
تروعنا الجنائز مقبلات
ونلهو حين تذهب مدبرات
كروعة ثلة لمغار ذئب
فلما غاب عادت راتعات
فالحق يقول: ﴿ ظهر الفساد.. ﴾ [الروم: 41] أي: غلب على قانون الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون، الذي لو نالته يد الإنسان لفسد هو الآخر، كما قال سبحانه:
ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض..
[المؤمنون: 71]. فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة، ومن الحكمة ألا تنالها يد الإنسان لأن الله تعالى يريد للكون البقاء، ولم يأت أوان انتهائه، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين، إلى أن يصل إلى درجة التشبع، فتتفجر الأوضاع. فقوله: ﴿ ظهر الفساد في البر.. ﴾ [الروم: 41] نتيجة لدعوته صلى الله عليه وسلم لأن كلمة ظهر تدل على أن شيئا وقع، فكأنه يقول لنا: إن كررتم الفساد والغفلة تكرر ظهور الفساد، فهو يعطينا ملخصا لما حدث بالفعل من عداوتهم لرسول الله، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به، ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار بمكة. لذلك دعا عليهم رسول الله:
" اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف "