تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30.10

الإساءة ضدها الإحسان، وسبق أن قلنا: إن الإحسان: أن تترك الصالح على صلاحه، أو أن تزيده صلاحا، ومثلنا لذلك ببئر الماء الذي يشرب منه الناس، فواحد يأتي إليه فيردمه أو يلوث ماءه، وآخر يبني حوله سياجا يحميه أو يجعل له آلة تخرج الماء وتريح الناس، فهذا أحسن وذاك أساء، فإذا لم تكن محسنا فلا أقل من أن تكف إساءتك، وتدع الحال على ما هو عليه. والحق - سبحانه وتعالى - خلق الكون على هيئة الصلاح، ولو تركناه كما خلقه ربه لظل على صلاحه، إذا لا يأتي الفساد إلا من تدخل الإنسان لذلك يقول سبحانه

وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون

[البقرة: 11-12]. وينبغي على الإنسان أن يأخذ من ظواهر الكون ما يفيده، أذكر أننا حينما سافرنا إلى مكة سنة 1950 كنا ننتظر السقاء الذي يأتي لنا بقربة الماء، ويأخذ أجرة حملها، وكنا نضعها في البزان وهو مثل الزير عندنا، فإذا أراد أحدنا أن يتوضأ يأخذ من الماء كوزا واحدا ويقول: نويت نية الاغتراف، ولا يزيد في وضوئه عن هذا الكوز لأننا نشتري الماء، أما الآن فالواحد منا لا تكفيه صفيحة لكي يتوضأ من حنفية الماء. وفي ترشيد استعمال الماء ترشيد أيضا للصرف الصحي وللمياه الجوفية التي تضر بالمباني وبالتربة الزراعية. لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف في استعمال الماء حتى لو كنا على نهر جار. فمعنى الذين أساءوا: أي الذي جاء إلى الصالح فأفسده أو أنشأ إفسادا جديدا، وطبيعي أن تكون عاقبته من جنس فعله ﴿ عاقبة الذين أساءوا السوءى.. ﴾ [الروم: 10] والسوأى: مؤنث سيء مثل: حسن للمذكر، وحسنى للمؤنث. وأصغر وصغرى، فهي أفعل تفضيل من السوء. ثم يقول سبحانه: ﴿ أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ﴾ [الروم: 10] فالأمر لم يقف عند حد التكذيب بالآيات، إنما تعدى التكذيب إلى الاستهزاء، فما فلسفة أهل الاستهزاء حينما يستهزئون بالآخرين؟ كثيرا ما نلاحظ أن التلميذ الفاشل يستهزىء بالمجتهد، والمنحرف يستهزىء بالمستقيم، لماذا؟ لأن حظ الفاشل أن يزهد المجتهد في اجتهاده، وحظ المنحرف أن يصير المستقيم منحرفا مثله، ومن هنا نسمع عبارات السخرية من الآخرين كما حكاها القرآن:

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون

[المطففين: 29-32]. لكن لا تتعجل، وانتظر عاقبة ذلك حينما يأخذ هؤلاء المؤمنون أماكنهم في الجنة، ويجلسون على سررها وأرائكها:

فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 34-36]. والخطاب هنا للمؤمنين الذين تحملوا السخرية والاستهزاء في الدنيا: أقدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه بكم؟ إذن: فلسفة الاستهزاء أن الإنسان لم يقدر على نفسه ليحملها على الفضائل، فيغيظه كل صاحب فضيلة، ويؤلمه أن يرى مستقيما ينعم بعز الطاعة، وهو في حمئة المعصية لذلك يسخر منه لعله ينصرف عما هو فيه من الطاعة والاستقامة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الله يبدأ الخلق... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤١٦