30.53
والدلالة على الطريق والهداية إليه لا تتأتى مع العمى، خصوصا إذا أصر الأعمى على عماه، ونقول لمن يكابر في العمى فلان لا يعطي العمى حقه يعني: يأنف أن يستعين بالمبصر، ولو استعان بالناس من حوله لوجدهم خدما له ولصار هو مبصرا ببصرهم. وقوله سبحانه: ﴿ إن تسمع.. ﴾ [الروم: 53] أي: ما تسمع ﴿ إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ﴾ [الروم: 53] وهؤلاء هم أصفياء القلوب والفطرة، الذين يلتفتون إلى كون الله، يتأملون أسراره وما فيه من وجوه الإعجاز والقدرة، فيستدلون بالخلق على الخالق، وبالكون على المكون سبحانه، ولم لا، ونحن نعرف من اخترع أبسط الأشياء في حياتنا ونؤرخ له، ونخلد ذكراه، ألسنا نعرف أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي، والله الذي خلق الشمس لهو أولى بالمعرفة. فإذا جاءك رسول من عند الله يخبرك بوجوده تعالى، ويحل لك لغز هذا الوجود الذي تحتار فيه، فعليك أن تصدقه، وأن تؤمن بما جاءك به لذلك الحق سبحانه يعلم الرسل أن يقولوا للناس في أعقاب البلاغ
ومآ أسألكم عليه من أجر..
[الشعراء: 109]. وفي هذا إشارة إلى أن العمل الذي يؤديه الرسل لأقوامهم عمل يستحقون عليه أجرا بحكم العقل، لكنهم يترفعون عن أجوركم لأن عملهم غال لا يقدره إلا من أرسلهم، وهو وحده القادر على أن يوفيهم أجورهم. ومعنى ﴿ يؤمن بآياتنا.. ﴾ [الروم: 53] يعني: ينظر فيها ويتأملها، ويقف على ما في الكون من عجائب الخلق الدالة على قدرة الخالق، فإذا ما جاءه رسول من عند الله أقبل عليه وآمن به لذلك قال بعدها: ﴿ فهم مسلمون ﴾ [الروم: 53]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ الله الذي خلقكم من... ﴾.