30.19
أولا: ما مناسبة الحديث عن البعث، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي بعد الحديث عن تسبيح الله وتحميده؟ قالوا: لأنه تكلم عن المساء والصباح، وفيهما شبه بالحياة والموت، ففي المساء يحل الظلام، ويسكن الخلق وينامون، فهو وقت للهدوء والاستقرار، والنوم الذي هو صورة من صور الموت لذلك نسميه الموت الأصغر، وفي الصباح وقت الحركة والعمل والسعي على المعاش، ففيه إذن حياة، كما يقول سبحانه:
وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا
[النبأ: 10-11]. ويمثل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه، كما جاء في بعض المواعظ: " لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ". وما دمنا قد شاهدنا الحالين، وعاينا النوم واليقظة، فلنأخذ منهما دليلا على البعث بعد الموت، وإن أخبرنا القرآن بذلك، فعلينا أن نصدق، وأن نأخذ من المشاهد دليلا على الغيب، وهذا ما جاءت به الآية: ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. ﴾ [الروم: 19]. وقوله تعالى هنا الحي والميت أي: في نظرنا نحن وعلى حد علمنا وفهمنا للأمور، وإلا فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه، ولا يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها:
كل شيء هالك إلا وجهه..
[القصص: 88]. فضد الحياة الهلاك بدليل قوله تعالى:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..
[الأنفال: 42]. وما دام كل شيء هالكا إلا وجهه تعالى، فكل شيء بالتالي حي، لكنه حي بحياة تناسبه. وأذكر أنهم كانوا يعلموننا كيفية عمل المغناطيس وانتقال المغناطيسية من قطعة ممغنطة إلى قطعة أخرى بالدلك في اتجاه واحد، وفعلا شاهدنا أن قطعة الحديد تكتسب المغناطيسية. وتستطيع أن تجذب إليها قطعة أخرى، أليس هذا مظهرا من مظاهر الحياة؟ أليست هذه حركة في الجماد الذي نراه نحن جمادا لا حياة فيه، وهو يؤثر ويتأثر بغيره، وفيه ذرات تتحرك بنظام ثابت ولها قانون. إذن: نقول لكل شيء موجود حياته الخاصة به، وإن كنا لا ندركها لأننا نفهم أن الحياة في الأحياء فحسب، إنما هي في كل شيء وكونك لا تفقه حياة هذه الأشياء، فهذه مسألة أخرى. لذلك سيدنا سليمان - عليه السلام - لما سمع كلام النملة، وكيف أنها تفهم وتقف ديدبانا لقبيلتها، وتفهم حركة الجيش وعاقبة الوقوف في طريقه، فتحذر جماعتها ادخلوا مساكنكم، وكيف كانت واعية، وعادلة في قولها.
لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18] فهي تعلم أن الجيش لو حطم النمل، فهذا عن غير مقصد منهم، وعندها أحس سليمان بنعمة الله عليه بأن يعلم ما لا يعلمه غيره من الناس، فقال: { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.
. } [النمل: 19]. فمعنى ﴿ يخرج الحي من الميت.. ﴾ [الروم: 19] أي: في عرفنا نحن، وعلى قدر فهمنا للحياة وللموت، والبعض يقول: يعني يخرج البيضة من الدجاجة، ويخرج الدجاجة من البيضة، وهذا الكلام لا يستقيم مع منطق العقل، وهل كل بيضة بالضرورة تخرج دجاجة؟ لا بل لا بد أن تكون بيضة مخصبة. إذن: لا تقل البيضة والدجاجة، ولكن قل يخرج الحي من الميت من كل شيء موجود. ثم يقول سبحانه: ﴿ ويخرج الميت من الحي.. ﴾ [الروم: 19] وفي موضع آخر يقول تعالى:
يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي..
[الأنعام: 95] فأتى باسم الفاعل مخرج بدلا من الفعل المضارع. لذلك وقف عندها المشككون في أسلوب القرآن، يقولون: إن كانت إحداهما بليغة، فالأخرى غير بليغة، وهذا منهم نتيجة طبيعية لعدم فهمهم للغة القرآن، وليست لديهم الملكة العربية التي تستقبل كلام الله. وهنا نقول: إن الذي يتكلم رب يعطي لكل لفظة وزنها، ويضع كل كلمة في موضعها الذي لا تؤديه كلمة أخرى. فقوله تعالى ﴿ يخرج الحي من الميت.. ﴾ [الروم: 19] هذه في مصلحة من؟ في مصلحتنا نحن لأن الإنسان بطبعه يحب الحياة، وربما استعلى بها، واغتر بهذا الاستعلاء، كما قال ربنا: