30.9
المعنى: أيكفرون بلقاء ربهم ولم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم - خذ فقط أمور الدنيا، فهي كافية لمن اعتبر بها - فهؤلاء لم يسيروا في الدنيا، ولم ينظروا فيها بعين الاعتبار بمن سبقهم من الأمم المكذبة، ولم يتعظوا بما وقع في الدنيا فضلا عما سيقع في الآخرة. فإن كنا صدقنا ما وقع للمكذبين في الدنيا وشاهدناه بأعيننا، فينبغي أن نصدق ما أخبر به الله عن الآخرة لأنك إن أردت أن تعلم ما تجهل فخذ له وسيلة مما تعلم. إذن: سيروا في الأرض، وانظروا بعين الاعتبار لمصير الذين كذبوا، وماذا فعل الله بهم؟ والسير: قطع المسافات من مكان إلى مكان ﴿ أولم يسيروا في الأرض.. ﴾ [الروم: 9] لكن أنسير في الأرض أم على الأرض؟ هذا من دقة الأداء القرآني، ومظهر من مظاهر إعجازه، فالظاهر أننا نسير على الأرض، لكن التحقيق أننا نسير في الأرض لأن الذي خلقنا وخلق الأرض قال:
سيروا فيها ليالي وأياما آمنين
[سبأ: 18]. ذلك لأن الأرض ليست هي مجرد اليابسة التي تحمل الماء، والتي نعيش عليها، إنما الأرض تشمل كل ما يحيط بها من الغلاف الجوي لأنها بدونه لا تصلح للعيش عليها، إذن: فغلاف الأرض من الأرض، فحين نسير لا نسير على الأرض إنما في الأرض. والسير في الأرض نظر له الدين من ناحيتين: سير يعد سياحة للاعتبار، وسير يعد سياحة للاستثمار، فالسير للاعتبار أن تتأمل الآيات في الأرض التي تمر بها، فالجزيرة العربية مثلا صحراء وجبال يندر فيها الزرع، فإن ذهبت إلى أسبانيا مثلا تجدها بلادا خضراء لا تكاد ترى سطح الأرض من كثرة النباتات بها. وفي كل منهما خيرات لأن الخالق سبحانه وزع أسباب الفضل على الكون كله، وترى أن هذه الأرض الجرداء القاحلة والتي كانت يشق على الناس العيش بها لما صبر عليها أهلها أعطاهم الله خيرها من باطن الأرض، فأصبحت تمد أعظم الدول وأرقاها بالوقود الذي لا يستغنى عنه يوما واحدا في هذه البلاد، وحينما قطعناه عنهم في عام 1973ضجوا وكاد البرد يقتلهم. حين تسير في الأرض وتنظر بعين الاعتبار تجد أنها مثل البطيخة، لو أخذت منها قطاعا طوليا فإنه يتساوى مع باقي القطاعات، كذلك الأرض وزع الله بها الخيرات على اختلاف ألوانها، فمجموع الخير في كل قطاع من الأرض يساوي مجموع الخيرات في القطاعات الأخرى. الجبال التي هجرناها في الماضي وقلنا إنها جدب وقفر لا حياة فيها، هي الآن مخازن للثروات وللخيرات قد اتجهت إليها الأنظار لإعمارها والاستفادة منها، وانظر مثلا إلى ما يحدث من نهضة عمرانية في سيناء. إذن: فالخالق سبحانه وزع الخيرات على الأرض، كما وزع المواهب على الخلق ليظل الجميع مرتبطا بعضه ببعض برباط الحاجة لا يستغني الناس بعضهم عن بعض، ولا البلاد بعضها عن بعض، وهنا لفتة إيمانية: أن الخلق كلهم عباد الله وصنعته، والبلاد كلها أرض الله وملكه، وليس لله ولد، وليس بينه وبين أحد من عباده قرابة، فالجميع عنده سواء، لذلك سبق أن قلنا: لا ينبغي لك أن تحقد على صاحب الخير أو تحسده لأن خيره سيعود عليك حتما.
ومعنى ﴿ الذين من قبلهم.. ﴾ [الروم: 9] أي: الأمم التي كذبت الرسل، وفي آية أخرى يوضح سبحانه عاقبة هؤلاء المكذبين:
فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[العنكبوت: 40]. ويخاطب سبحانه كفار قريش:
وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل أفلا تعقلون
[الصافات: 137-138]. أي: في أسفاركم ورحلات تجارتكم ترون مدائن صالح وغيرها من القرى التي أصابها العذاب ما زالت شاخصة لكل ذي عينين. ويقول سبحانه:
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد