والآن لا يخدعون أنفسهم ولا يكذبون عليها، الآن وفي وقت الشدة وحلول الكرب ليس إلا الله يلجئون إليه، ليس إلا الحق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وما دام الله قد فطرنا على هذه الفطرة، فلا تبديل لما أراده سبحانه ﴿ لا تبديل لخلق الله.. ﴾ [الروم: 30] يعني: ما استطاع أحد أن يقول: أنا خلقت السماوات والأرض، ولا أن يقول: أنا خلقتكم أو خلقت نفسي. ﴿ ذلك الدين القيم.. ﴾ [الروم: 30] أي: الدين الحق ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [الروم: 30] أي: لا يعلمون العلم على حقيقته والتي بيناها أنها الجزم بقضية مطابقة للواقع، ويمكن إقامة الدليل عليها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ منيبين إليه واتقوه... ﴾.
30.31
أناب: يعني رجع وقطع صلته بغير الحق ﴿ إليه.. ﴾ [الروم: 31] إلى الله، فلا علاقة له بالخلق في مسألة العقائد، فجعل كل علاقته بالله. ومنه يسمون الناب لأنه يقطع الأشياء، ويقولون: ناب إلى الرشد، وثاب إلى رشده، كلها بمعنى: رجع، وما دام هناك رجوع فهناك أصل يرجع إليه، وهو أصل الفطرة. وقوله تعالى ﴿ واتقوه.. ﴾ [الروم: 31] لأنه لا يجوز أن تنيب إلى الله، وأن ترجع إليه، وأن تجعله في بالك ثم تنصرف عن منهجه الذي شرعه لينظم حركة حياتك، فالإنابة وحدها والإيمان بالله لا يكفيان بل لا بد من تطبيق المنهج بتقوى الله، لذلك كثيرا ما يجمع القرآن بين الإيمان والعمل الصالح:
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات..
[الشعراء: 227]. لأن فائدة الإيمان وثمرته بعد أن تؤمن بالإله الحق، وأن منهجه هو الصدق، وفيه نفعك وسلامتك في حركة حياتك، وأنه الذي يوصلك إلى سعادة الدارين، ولا معنى لهذا كله إلا بالعمل والتطبيق. ﴿ واتقوه.. ﴾ [الروم: 31] أي: اتقوا غضبه، واجعلوا بينكم وبين غضب الله وقاية، وهذه الوقاية تتحقق باتباع المنهج في افعل ولا تفعل. وسبق أن تكلمنا في معنى التقوى وقلنا: إنها تحمل معنيين يظن البعض أنهما متضاربان حين نقول: اتقوا الله. واتقوا النار. لكن المعنى واحد في النهاية لأن معنى اتق الله: اجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وقاية، وهذا نفسه معنى: اتق النار. يعني: ابتعد عن أسبابها حتى لا تمسك. وقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة.. ﴾ [الروم: 31] أقيموا الصلاة أدوها على الوجه الأكمل، وأدوها على ما أحب منكم في أدائها، فساعة أناديك: الله أكبر يجب أن تقبل علي، وأنت حين تلبي النداء لا تأتي لتعينني على شيء، ولا أنتفع بك في شيء، إنما تنتفع أنت بهذا اللقاء، وتستمد مني العون والقوة، وتأخذ شحنة إيمان ويقين من ربك. وقلنا: ما تصورك لآلة تعرض على صانعها كل يوم خمس مرات أيبقى بها عطب؟ لذلك يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبنا أمر أن نهرع إلى الصلاة، وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم إذا عز عليه شيء، أو ضاقت به الأسباب، وإلا فما معنى الإيمان بالله إن لم تلجأ إليه. وما دام ربك غيبا، فهو سبحانه يصلحك بالغيب أيضا، ومن حيث لا تدري لذلك أمرنا ربنا بإقامة الصلاة، وجعلها عماد الدين والركن الذي لا يسقط عنك بحال، فالزكاة والحج مثلا يسقطان عن الفقير وعن غير القادر، والصوم يسقط عن المريض أو المسافر، في حين مرضه أو سفره، ثم يقضيه بعد انقضاء سبب الإفطار. أما الصلاة فهي الركن الدائم، ليس مرة واحدة في العمر، ولا مرة واحدة في العام، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فبها يكون إعلان الولاء لله تعالى إعلانا دائما، وهذا إن دل فإنما يدل على عظمة الإنسان ومكانته عند ربه وخالقه.
وسبق أن قلنا: إنك إن أردت مقابلة أحد المسئولين أو أصحاب المنزلة كم تعاني ليؤذن لك، ولا بد أن يحدد لك الموعد والمكان، بل وموضوع المقابلة وما ستقوله فيها، ثم لصاحب المقابلة أن ينهيها متى يشاء. إذن: لا تملك من عناصر هذا اللقاء شيئا؟ أما في لقائك بربك - عز وجل - فالأمر على خلاف ذلك، فربك هو الذي يطلبك ويناديك لتقبل عليه، لا مرة واحدة بل خمس مرات كل يوم، ويسمح لك أن تناجيه بما تحب، وتطلب منه ما تريد. ولك أن تنهي أنت المقابلة بقولك: السلام عليكم، فإن أحببت أن تطيل اللقاء، أو أن تعتكف في بيت ربك فإنه سبحانه لا يمل حتى تملوا، فهذه - إذن - ليست عبودية، بل عز وسيادة. وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى: