30.8
المعنى: أن يكون ذلك منهم: لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، ويغفلون عن الآخرة، ولم يتفكروا في أنفسهم، فيأتي لهم بالدليل مرة في أنفسهم، ومرة في السماوات والأرض. الدليل في الأنفس يقول لك: فكر في نفسك. أي: اجعلها موضوع تفكيرك، وتأمل ما فيها من أسرار دالة على قدرة الخالق عز وجل، فإلى الآن ومع ما توصل إليه العلم ما زال في الإنسان أسرار لم تكتشف بعد. تأمل في مقومات حياتك: الأكل والشرب والتنفس، وكيف أنك تصبر على الطعام حتى شهر، تتغذى من المخزون في جسمك، وتصبر على الماء من ثلاثة إلى عشرة أيام على مقدار ما في جسمك من مائية، لكنك لا تصبر على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير. لذلك من حكمته تعالى حين أمن للبشر هذه المقومات أن جعل مدة صبرك على الطعام أطول، لأن طعامك قد يحتكره غيرك، فتحتاج إلى طلبه والسعي إليه، أما الماء فمدة الصبر عليه أقل، لذلك جعل الحق سبحانه احتكار الماء قليلا. أما الهواء الذي لا تصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير، فمن حكمة الله تعالى ألا يملك لأحد أبدا، وإلا لو احتكر الناس الهواء لما استقامت الحياة، فلو منعك صاحب الهواء هواءه لمت قبل أن يرضى عنك. تأمل في نفسك حين تأكل الطعام، وفيك مدخلان متجاوران: القصبة الهوائية، وهي مجرى الهواء للرئتين، والبلعوم وهو مجرى الطعام للمعدة، تأمل ما يحدث لك إن دخلت حبة أرز واحدة في القصبة الهوائية، فبلا شعور تشرق بها، وتظل تقاومها حتى تخرج، وتأمل حركة لسان المزمار حين يسد القصبة الهوائية أثناء البلع، هذه الحركة التلقائية التي لا دخل لك فيها، ولا قدرة لك عليها بذاتك. تأمل وضع المعدة، وكيف أن الله جعل لها فتحة يسمونها فتحة الفؤاد، هي التي تغلق المعدة بإحكام بعد الطعام، حتى لا تؤذيك رائحته بأن تتسرب عصارة المعدة إلى الفم فتؤلمك، فمن أصابه خلل في إغلاق هذه الفتحة تجد رائحة فمه كريهة يسمونه أبخر. كذلك تأمل في عملية إخراج الطعام وكيف تكون طبيعيا مستريحا؟ وفجأت تحتاج إلى الحمام وإلى قضاء الحاجة، ماذا حدث؟ والأمر كذلك في شربة الماء، ذلك لأن لجسمك طاقة تحمل في الأمعاء وفي المثانة، ففي لحظة يزيد الحمل عن الطاقة، فتشعر بالحاجة إلى الإخراج. وهذا مجال لا حصر له مهما تقدمت العلوم، ومهما بحثنا في أنفسنا، ويكفي أن نقرأ:
وفي أنفسكم أفلا تبصرون
[الذاريات: 21] فدعانا ربنا إلى البحث في أنفسنا قبل البحث فيما حولنا من آيات السماء والأرض لأن أنظارنا قد تقصر عن رؤية ما في السماوات والأرض من آيات، أما نفسي فهي أقرب دليل منك وأقوى دليل عليك.
﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم.. ﴾ [الروم: 8] أي: فكروا في أنفسكم بعيدا عن ضجيج الناس وجدالهم ومرائهم، فحين تجادل الناس تجد لجاجة وحرصا على الظهور، ولو بالباطل، إنما حينما تكون مع نفسك تسألها وتتأمل فيها، فلا مهيج ولا معاند، لا تخجل أن ينتصر عليك خصمك، ولا تطمع في مكانة أو منزلة لذلك تصل بالنظر في نفسك إلى الحقيقة. لذلك يخاطب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
قل إنمآ أعظكم بواحدة..
[سبأ: 46] يعني: يا من تفكرون في صدق هذا الرسول، وتتهمونه بالكذب والافتراء والسحر.. الخ أريد منكم شيئا واحدا
أن تقوموا لله مثنى وفرادى..
[سبأ: 46] أي: مثنى مثنى، أو منفردين، كل على حدة
ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد
[سبأ: 46]. إذن: الطريق إلى الحقيقة لا يكون بالمجادلة الجماهيرية، إنما بتأمل الإنسان مع نفسه، أو مع مثله، فمع الجماعة تتحرك في النفس الرغبة في العلو والانتصار لذلك حين تناقش العاقل يقول لك حسيبك تراجع نفسك يعني: تفكر وحدك بحيث لا تحرج من أحد، فتكون أقرب للموضوعية وللوصول إلى الحق. وبعد أن أمرنا ربنا بالتفكر في أنفسنا يلفتنا إلى التأمل فيما حولنا من السماوات والأرض ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى.. ﴾ [الروم: 8]. وهناك آية أخرى تقدم التفكر في السماء والأرض على التفكر في النفس، هي قوله تعالى: