تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين

[الشعراء: 77-78]. ونلحظ هنا في قوله

الذي خلقني..

[الشعراء: 78] أنه لم يؤكدها بشيء، ولم يذكر قبل الخلق الضمير هو لأن مسألة الخلق كما قلنا لم يدعها أحد، أما في الهداية وهي مجال ادعاء، فقال فهو أي: الحق سبحانه يقصر الهداية على الله

فهو يهدين

[الشعراء: 78]. وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي ينظم حياتي والمنهج الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه، وكثيرا ما نرى من يدعي الهداية ويقول: إنني وضعت قانونا يسعد حياة الناس، ويفعل كذا وكذا، سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية، ومرة من الاشتراكية، ومن الشيوعية.. الخ. إذن: هذا مجال ادعاء واسع، فقيده إبراهيم - عليه السلام - وقصره على الله، حيث لا منهج إلا منهج الله، ولا قانون يحكمنا إلا قانون ربنا، كما نقول في العامية مفيش إلا هو. كذلك في مسألة الإطعام قال:

والذي هو يطعمني..

[الشعراء: 79] فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول الذي ثم الضمير المفرد الغائب هو ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله لأن الإنسان قد يظن أن أباه هو الذي يطعمه، أو أن أمه هي التي تطعمه لأنها تعد له طعامه، فهما السببان الظاهران في هذه المسألة، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد. ثم يقول عليه السلام:

والذي يميتني ثم يحيين

[الشعراء: 81] هكذا دون توكيد لأن الموت والحياة مسألتان مسلمتان لله مفروغ منهما، وكذلك:

والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين

[الشعراء: 82] وهذه أيضا لا تكون إلا لله تعالى. إذن: ما كان للغير فيه شبهة عمل يؤكدها ويخصها لله تعالى، أما الأخرى التي لا دخل لغير الله فيها فيسوقها مطلقة دون اختصاص. فالتعليق في هذا الأمر العجيب لا يكون إلا بقولنا: ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ [الروم: 40] أي: تنزيها له عن الشركة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، ولم يقم لهذه القضية منازع، ولم يدعها أحد لنفسه. إذن: فهي مسلم بها، وإلا فإن كان هناك إله آخر فأين هو؟ ولماذا لم يدافع عن حقه في الألوهية؟ إن كان لا يدري فهو غافل، وإن كان يدري ولم يعارض فهو جبان، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلها. لذلك ربنا حكمها بقضية واحدة، فقال:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ظهر الفساد في البر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٤٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٤٦٩