30.44
ما دامت القيامة أمرا لا مرد له من الله، فلننتبه للعواقب، ولنحسب لها حسابا، فمن كفر فعليه كفره، عليه لا له، وهذه قضية تقتضي أن نقول في مقابلها: ومن آمن فله إيمانه. بعد أن بين الدلائل الواضحة على واحديته في الكون، وأحديته في ذاته سبحانه، وبين الأدلة الكونية بكل صورها برهانا وحجة، وضرب أمثالا وتفصيلا بعد ذلك قال: سأقول لكم أنكم أصبحتم مختارين أي: خلقت فيكم الاختيار في التكليف حتى لا أقهر أحدا على الإيمان بي. وخلق الاختيار في التكليف بعد القهر في غير التكليف يدل على أن الله تعالى لا يريد من عباده قوالب تأتمر بأمر القهر، ولكنه يريد أن يجذب الناس بمحبوبيتهم للواحد الأحد. وإلا فكان من الممكن أن يخلقهم جميعا مهتدين، وأن يخلقهم على هيئة لا تتمكن من الكفر، وتسير إلى الطاعة مرغمة، كما قال سبحانه حكاية عن السماء والأرض:
أتينا طآئعين
[فصلت: 11] وذلك يفسر لنا أمانة خلق الاختيار في الناس. والحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن هذه المسألة بوضوح قال:
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..
[الأحزاب: 72] والإباء هنا ليس إباء تكبر على مراد الله، إنما وضعوا أنفسهم في الموضع الطبيعي، فقالوا: لا لحمل الأمانة لأننا لا نأمن أنفسنا ولا نضمنها عند الأداء. والإنسان كذلك ابن أغيار، فقد يحمل الأمانة، ويضمن أداءها في وقت التحمل، لكنه لا يضمن نفسه عند الأداء، وسبق أن مثلنا لذلك بمن يقبل الأمانة، ويرحب بها عند التحمل، ثم تطرأ عليه من أحداث الحياة ما يضطره لأن يمد يده إلى هذه الأمانة وإن كان في نيته الأداء، لكن يأتي وقته فلا يستطيع، وآخر يقدر هذه المسئولية ويرفض تحمل الأمانة، وهذا هو العاقل الذي يقدر الظروف وتغير الأحوال. ومعلوم أن الأمانة لا توثق، فإن كتبت وشهد عليها فإنها لم تعد أمانة، فالأمانة إذن مردها لاختيار المؤتمن إن شاء أقر بها، وإن شاء أنكرها. فالحق سبحانه قال حكاية عن السماوات والأرض والجبال
فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..
[الأحزاب: 72] لأنهم يقدرون مسئوليتها، أما الإنسان فقد تعرض لحملها وقال: عندي عقل أفكر به، وأختار بين البدائل، وسوف أؤدي، فضمن وقت التحمل، لكنهن لا يضمن وقت الأداء، فظلم نفسه وجهل حقائق الأمور.
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72] ظلوما لنفسه، جهولا بما يمكن أن يطرأ عليه من الأغيار. وما دام الإنسان ابن أغيار، فإنه لا يثبت على حال لذلك قلنا: إذا صعد الإنسان الجبل إلى قمته وهو ابن أغيار فليس أمامه إلا أن ينزل، والعقلاء يخافون أن تتم لهم النعمة لأنه ليس بعد التمام إلا النقصان، كما قال الشاعر:
إذا تم شيء بدا نقصه
ترقب زوالا إذا قيل تم
فإذا قلت: لماذا خلق الله الاختيار في الإنسان ولم يخلقه في الأجناس التي تخدمه من جماد ونبات وحيوان؟ نقول: كن دقيقا، وافهم أنها أيضا خيرت بقوله تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها..
[الأحزاب: 72]. إذن: هذه الأجناس أيضا خيرت، لكنها اختارت اختيارا واحدا يكفيها كل الاختيارات، فقالت: نريد يا رب أن نكون مقهورين لكل ما تريد. ولما كنا مختارين أعطانا الله تعالى هذه القضية: ﴿ من كفر فعليه كفره.. ﴾ [الروم: 44] وكلمة عليه تفيد الدين والوزر، و له تفيد النفع، فإذا جئنا بالمقابل بقول: ومن آمن فله إيمانه، كما في:
إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم
[الانفطار: 13-14]. لكن القرآن لم يأت بهذا المقابل، إنما عدل إلى مسألة أخرى: ﴿ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ [الروم: 44] فلماذا؟ قالوا: لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر واحد هو الله فتؤمن به، فإذا ما أمرك تطيع، فعلة الإيمان التكليف لذلك حين تبحث أي تكليف إياك أن تنظر إلى علته فتقول: كلفني بكذا لكذا، فعلة التكليف وحكمته عنده تعالى. فإذا قلنا مثلا: حكمة الصيام أن يشعر الغني ويذوق ألم الجوع فيعطف على الفقير، فهل يعني هذا أن الفقير المعدم لا يصوم؟ إذن: ليست هذه حكمة الصيام، والأصوب أن تقول: أصوم لأن الله أراد مني أن أصوم، وحكمة الصيام عنده هو. ومثلنا لذلك ولله تعالى المثل الأعلى: أنت حين تشكو مرضا أو ألما تسأل عن الطبيب الماهر والمتخصص حتى تنتهي إليه، وعندها تنتهي مهمة عقلك، فتضع نفسك بين يديه يفحصك ويشخص مرضك، ويكتب لك الدواء، فلا تعارضه في شيء، ولا تسأله لماذا كتب هذا الدواء. فإذا سألك زائر مثلا: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ لا تقول: لأن من خصائصه كذا، ومن تفاعلاته كذا، إنما تقول: لأن الطبيب وصفه لي، مع أن الطبيب بشر قد يخطىء، وقد يكتب لك دواء، أو يعطيك حقنة ترديك، ومع ذلك تسلم له بما يراه مناسبا لك، فإذا كنت لا تناقش الطبيب وهو خطأ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علة لكل شيء؟ ولا يناقش في علل الأشياء إلا المساوى، فلا يناقش الطبيب إلى طبيب مثله، كذلك يجب أن نسلم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أن يوجد مساو له سبحانه يمكن أن يناقشه. والحق سبحانه يبين لنا علة الإيمان - لا الإيمان في ذاته - إنما ما يترتب عليه من طاعة أوامر هذا الإله، وعلى طاعة هذه الأوامر الأوامر يترتب صلاح الكون، بدليل أن الله يطلب من المؤمنين أن ينشروا الدعوة، وأن يبلغوها، وأن يحاربوا من يعارضها ويمنعهم من نشرها.